د.محمد أحمد وريث مشاركة المقال مشروع بصريّ عربي ؟! كتبت - ومنذ سنين عديدة - عن الدعوة إلى الرجوع إلى تراثنا العربي واقتباس ما يزخر به من قصص خيالية وعجائبية وتحويلها إلى أعمال " درامية " مرئية للأطفال ، وضربت لذلك عدة أمثلة من كتاب " آثار البلاد وأخبار العباد " لأبي زكريا القزويني ، "وكتاب كليلة ودمنة " الذي ترجمهُ عن الفارسية إلى العربية الأديب الأشهر عبد الله بن المقفع وغيرهما من الكتب التراثية التي تُعَدُّ ذخيرة لم تستخرج بعْدُ خبيئاتها المفعمة بالإثارة والمغامرة والحضّ على الكد وبذل الجهد لتحقيق الأهداف مما يصلح لأن يُصطنع أسلوبًا للتربية واتخاذ القدوة وحث الأطفال على الاقتداء بها بعيداً عن الوعظ الأجوف والتقريرية والإنشائية المملّة والمضجرة والمنفرة . ولقد كانت تجربة مرئية ناجحة اقتباس قصص " سندباد " ورحلاته وتقديمها للأطفال العرب التواقين دائماً للأعمال الجادة التي تشدهم إليها وتجعلهم يحرصون على مشاهدتها. ومنذ ما يزيد عن نصف قرن ، ولم تكن ثمة محطات بث مرئي أرضية أو فضائية ، وكان المذياع " الراديو " هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للترفيه والتثقيف ، وسماع أخبار العالم ، ظهر الإعلامي القدير والإذاعي المتمرس الراحل " محمد محمود شعبان " أو " بابا شارو " أحسن من قدم برامج الأطفال المسموعة حتى غدا علماً عليها وأستاذاً لها ، وذلك من خلال تجربته غير المسبوقة بتقديم مسلسل " ألف ليلة وليلة " عبر إذاعة القاهرة ، وفيما أذكر أنَّ الناس كباراً وصغاراً كانوا يتحلقون حول المذياع لسماع قصة من قصص تلك الليالي حيث ينطلق اللحن المميز المصحوب بالغناء الجميل : " ألف ليلة وليلة - كل ليلة ليلة " فكانت كل حلقة مصدر سعادة لكل من يستمع إليها خاصة في ذلك الوقت ، مطلع النصف الثاني من القرن الماضي ، حين كانت وسائل الترفيه الجاد والتسلية شبه منعدمة ، وقد تناول " محمد محمود شعبان - بابا شارو" بالتهذيب قصص " ألف ليلة وليلة " ونزع منها ما يخدش الحياء أو يخرج على المألوف . وإذ يتشتت العرب ويتشرذمون ويتفرقون ويتنافرون فلا نرى لهم مشروعاً جماعياً واحداً ناجحاً ، لأن كلاًّ منهم يتربص بالآخر ويفترض فيه سوء النية ، ولا يطمئن إليه أبداً ، فإنهم إذا تزودوا بحسن النية وأجمعوا أمرهم واستلهموا من الأطفال براءتهم يمكنهم أن يتحدوا في " مشروع بصري للأطفال " يكونون له صندوقاً لتمويله ويشرف عليه مجموعة من الخبراء في " ثقافة وأدب الطفل" بحيث ينتج مسلسلات وأعمال درامية للأطفال مقتبسة من التراث العربي ، تربطهم بالماضي وتتطلع بهم إلى المستقبل ، بعيداً عن " الفجائعيّات " التي لا همًّ لها إلاّ تتبع السقطات ومصادر الزلل من التاريخ العربي وإسقاطها على الحاضر مما تطالعنا به الكثير من المسلسلات الدرامية التي تصور لنا العرب أمة من المآسي والخيانات والانكسارات والهزائم التي تبعث في النفوس الضعف والوهن واليأس والإحباط الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى الاكتئاب الجماعي المدمّر ؟! فهل يفلح الأطفال العرب في لمِّ شمل العرب في مثل هذا المشروع البصري الجماعي الذي سيعود بالنفع لا على الأطفال فقط ولكن على الكبار أيضاً ، لأن الأطفال سيصبحون كباراً ومتى كانت طفولتهم سعيدة كانت نفوسهم نقيّة وسليمة وخالية من العقد التي تعصف بالسلوك وتؤدي إلى الانحراف ؟! في الطفولة والكبر معاً ؟!.