إصلاح الأمم المتحدة

الزعيم معمر القذافي
مشاركة المقال

كثر الحديث هذه الأيام على مستوى عالمي عـن الإصلاح.. والديمقراطية، وهما شعاران محبوبان ولا أحد يرفضهما إلا من كان ديكتاتوراً. أو رجعياً.  فالديكتاتور يرفض الديمقراطية.. والرجعي يرفض الإصلاح. لكن المسألة تكون غير مقبولة من الجميع إذا كانت مسألة دعاية، أو انتقائية.. أي كانت كلمة حق يراد بها باطل. أي تحقيق أغراض أخرى غير الإصلاح والديمقراطية.

 

     إذا كنا جادين حيال الإصلاح والديمقراطية على مستوى عالمي.. فعلينا أن نبدأ بإصلاح رأس العالم وتحقيق الديمقراطية فيه. إن رأس العالم هو منظمة الأمم المتحدة. وإن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي بمثابة برلمان العالم، وما لم نصلح برلمان العالم.. ونجعله ديمقراطياً فلا يقبل، ولا يستجاب لأي طلب بإصلاح وديموكرسة برلمان وطني، أو حكومة وطنية في أي دولة من دول العالم، ولكن كيف نصلح الجمعية العامة للأمم المتحدة  (برلمان العالم) ونجعله ديمكراسياً. الأمر في غاية الوضوح وهو إعطاء هذا البرلمان العالمي نفس صلاحيات أي كنجرس ( برلمان ) في أي دولة ديمقراطية تقليدية وهـي أن تكون هي أداة التشريع، ومجلس الأمن أداة التنفيذ.. ومحكمة العدل الدولية هي السلطة القضائية.

 

     إن الاقتراح الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة لا يستحق الوقوف عنده، هو مضيعة لوقت قضى في الاعتكاف عليه.. فهو غير ذي أهمية على الإطلاق. وباهت إلى درجة لا يجوز أن يعطى أي اعتبار.

 

    إن الإصلاح الراديكالي الجاد هو نقل صلاحيات مجلس الأمن إلى الجمعية العامة .. وجعل قراراتها هي الملزمـة. وليس قرارات مجلس الأمن؛ لأن الجمعية العامة هي ملتقى ومثابة دول العالم الأعضاء ، فكل الدول الأعضاء كبيرها  وصغيرها ممثلة في الجمعية العامة بشكل متساو، خلافاً لما هو عليه الحال في مجلس الأمن. ولكن دون صلاحيات.  إذن ما فائدة هذه المساواة  في العضوية..  بل مـا فائدة الجمعية ذاتها مادامت مجرد ( ديكور)، ما الفرق بين الجمعية العامة للأمم المتحدة..  وحديقة هايد  ( هايد بارك )  في  لندن مادامت مجرد منبر للخطابة مثلها مثل ( سوق عكاظ ) في مدينة مكة في العصر الجاهلي الذي كان سوقاً و منبراً لإلقاء القصائد الشعرية  مدحاً وذماً ؟!!

 

     و يجب أن يتحول مجلس الأمن إلى أداة لتنفيذ قرارات الجمعية العامة. وإذا لم يتحقق هذا فيجب إلغاء الجمعية العامة.  وتوفير تلك التكاليف والمصاريف التي تتكبدها دولة المقر.. والتي تتكبدها الدول الأعضاء. ويبقى مجلس الأمن فقط على أن يوسع بما فيه الكفاية. ويعاد النظر في صلاحياته الجديدة، وعضويته الجديدة، وأن تحترم أحكام محكمة العدل الدولية. وإلا  فما حجة الذين قد يعارضون هذا التصور الراديكالي لإصلاح المنظمة الدولية عندما ينتقدون دولة ليس لبرلمانها سلطة تشريعية حقيقية.. أو أن حكومة  ما لا تنفذ قرارات برلمانها .. أو أن دولة ما لا تحترم أحكام محاكمها!! إذا كان من ينتقدون الدول الأخرى ويطالبونها بالإصلاح و الديمقراطية يعارضون في  نفس الوقت الدعوة التي تطالب بأن تكون للجمعية العامة للأمم المتحدة سلطة تشريعية حقيقية، وأن يخضع مجلس الأمن لها، وينفذ قراراتها، ولا  يحترمون القضاء الدولـي الذي يعارض هذا التصور فلن يكون لهم الحق والمنطق في انتقاد الدول غير الديمقراطية.

 

     إن الجمعية العامة التي هي في حقيقتها مجموع أعضاء الأمم التي اتحدث من أجل السلام أصبحت الآن لا شيء... إن الجمعية العامة مهانة إهانة بالغة في الميثاق.. ومحقرة إلى درجة وكأنها طفل. يتجسد الاستخفاف بمندوبي الأمم في الجمعية العامة، والتسفيه في كل مادة من مواد الميثاق.  حيث لا تعمل شيئاً إلا بأمر مجلس الأمن، ولا ينفذ لها قرار إلا إذا وافق عليه مجلس الأمـن، ولا يجوز لها كذا، إلا بناء على توصية من مجلس الأمن، ومعروف أن مجلس الأمن يمثل الدكتاتورية، و الجمعية العامة تمثل الديمقراطية. حيث إن مجلس الأمن هو المجموعة القليلة جداً. وهو  يشبه المجلس العسكري الديكتاتوري.. مجلس الطوارئ. وهو أبعد ما يكون عن أي شكل من أشكال الديمقراطية أو المساواة.

وعليه فإن العالم يجسد في قمته وهي الأمم المتحدة أوضح أنواع الديكتاتوريـة.

ولايعقل أن نتحدث عن الديمقراطية والإصلاح على أي مستوى ما لم نعترف بهذه الحقيقة في رأس العالم وهو الأمم المتحدة.

     زد على ذلك إشكالية منح دول جديدة عضوية دائمة وهي تتشكل في اتحادات جديدة. وأن هذه الاتحادات تتحول عاماً بعد عام إلى كيان سياسي واحد بما يشبه الدولة الواحدة أو هو الدولة الواحدة. فالاتحاد الأوروبي مثلاً الذي هـو  يتحول   شيئاً  فشيئاً إلى  دولة أو ولايات  متحدة  سيتمتع هذا  الكيان  الواحد بأكثر من مقعد دائم في مجلس الأمن. وقد تحصل دولة في الاتحاد الأفريقي على مقعد دائم، وهي جزء من اتحاد يتحول هو أيضاً بدوره إلى كيان سياسي واحد. فهل يكون المقعد لكل الاتحاد أم لتلك الدولة فقط وهي في النهاية ذائبة في ذلك الاتحاد أم يكون بالتناوب بين أعضاء الاتحاد؟! وإذا حصلت أكثر من دولة أفريقية مثلاً على مقعد دائم فإنها تنجب نفس الإشكالية التي ذكرناها في الاتحاد الأوروبي. وهي عدة مقاعد دائمة لكيان سياسي واحد.