عمران محمد مشاركة المقال هل تعلمنا من حرب بنغازي؟ في بداية هذا المنشور الطويل وجب التأكيد على الآتي : يمكن القول بان أغلب الليبيين متفقين على : إأّه لا حياة ولا تعايش مع القتلة والإرهابيين، والجميع يرى بضرورة القضاء على الإرهاب وإجتثاته من جذوره، وأنه لا أمن ولا استقرار ولا تنمية في وجود الانتشار الغير مشروع للسلاح بأيدي الأفراد والمليشيات الجهوية والمؤدلجة. وإنه لا دوله ولا سيادة إلا بإعادة توحيد القوات المسلحة العربية الليبية وتجميع شتاتها على عقيدتها وولائها لله وللوطن (ليبيا فقط )،وبدون أي تشوهات قبلية أو مليشياوية أو إيديولوجية، بالإضافة إلى شرطة وطنية محترفة وقضاء ليبي عادل. وإنّه لا حل نهائي ودائم إلا الذي يصنعه الليبيون مجتمعين وبإرادتهم الحرة ودون تدخل الأجنبي. السؤال هنا هو : هل الحرب التي تجري الآن على تخوم طرابلس والتي يحرّض عليها ويدعوا إلى تأجيجها الكثيرون ومن مختلف الأطياف، هل ستصل بنا أو تحقق شيئاً مما تم ذكره أعلاه ؟ هل استفدنا من الدروس السابقة، درس بنغازي مثلاً؟ أعتقد جازماً إنّ شيئاً من ذلك لن يتحقق ، بل سنحقق المزيد من الضياع و الفرقة وأنهار من الدماء وآلاف الجثث وجبال من الركام والحطام، وذلك لأسباب كثيرة سأحاول ذكر بعضها فيما يلي من سطور . بالنسبة لي لا فرق عندي من جميع النواحي بين طرابلس وبنغازي، وسكانهما جميعا هم أهلنا وإخوتنا، ووجعهم هو وجعنا وفرحهم هو فرحنا. ولكن في هذه الحرب التي حملت شعار مكافحة الإرهاب ، فإن لكل حالة ظروفها وحساباتها المختلفة. في بنغازي الناس كانوا ينبذون الإرهاب ويكرهونه ، لأنهم خبروه واكتووا بناره ، وأذاقهم أقسى أنواع القهر والقتل ، وفقدوا مئات الرجال الذين قتلوا غيلة وغدراً أمام أعين أهلهم وأطفالهم ،وهذا جعلهم لا يترددون في الالتحام بالجيش ، واحتضانه وتأييده ودفع أبنائهم للقتال إلى جانبه وفي صفوفه بينما لم يجد الإرهابيون في بنغازي إلا قلة قليلة تحتضنهم من أقاربهم والمحسوبين عليهم. رغم كل ذلك فقد دفعت بنغازي للتخلص من الإرهاب والقضاء عليه ثمناً قاسياً ومؤلماً من الرجال والمال ، وتشوهات في البيئة والبشر، نسأل الله لها أن تتعافى من آثار تلك الحرب وما خلفته من دمار مادي ومعنوي . تجربة حرب تحرير بنغازي من الإرهاب كانت غنية بالدروس والعبر عسكرياً وسياسياً واجتماعيا ، كان ينبغي دراستها بتمعّن وعمق للاستفادة منها،وعدم تكرار أي أخطاء وقعت خلالها ، و تفادي التورط في مغامرة غير محسوبة العواقب ، عند التوجه إلى مدينه أخرى لمحاربة الإرهاب ، وخاصة عندما يتعلق الأمر بطرابلس. لأن طرابلس مكتظة أكثر مقارنة ببنغازي ، وتركيبة سكانها وظروف التعاطي معها تختلف. وإن سكان طرابلس رغم نبذهم للإرهاب كغيرهم من الليبيين ، وكراهية الكثيرين منهم للمليشيات بسبب ما اقترفوه من جرائم معنوية ومادية بشعة في حق الطرابلسية وكل الليبيين،بالإضافة للحرمان والقهر النفسي والمادي الذي يعاني منه سكانها ، بسبب سيطرة وتغوّل المليشيات،إلا إنه من الملاحظ إنّ نسبة ليست قليلة من سكان العاصمة ربما بسبب تأثير التكثيف الإعلامي يتعاطفون مع تلك المليشيات. ورغم إنّ ما كان يجري في بنغازي لم يكن خافٍ على أحد في طرابلس وغيرها،إلا أن طرابلس لم تعش موجة القتل والرعب التي عاشتها بنغازي على أيدي الإرهابيين ، رغم ارتكابهم للعديد من الجرائم والتفجيرات في طرابلس، فروح الانتقام والأخذ بالثأر التي تحتقن في صدور أولياء الدم والأهالي في بنغازي لا يوجد مثيلها في طرابلس. ثم إنّ الحرب في بنغازي مند يومها الأول كان الإرهاب أحد أطرافها في مواجهة الجيش ومعه أغلب أهلها ،بينما في طرابلس اشتركت في المعركة مناطق ومدن ومليشيات وأطراف أخرى جمعتها أسباب مختلفة ، والكثيرين منهم ليسوا إرهابيين، و سيستفيد الإرهابيون من دخولهم في المعركة بحجة الدفاع عن طرابلس ، ويختبئون ورائهم ، ولن تصل إليهم نار الحرب إلا بتدمير تلك القوى أو تقهقرها وهذا لا أعتقد إنه سيكون سهل ولا قريب، خاصة وإن حواضن الإرهاب المحلية والإقليمية والدولية لن تدخر جهداً في دعمه عسكرياً وسياسياً وإعلامياً. ولا ننسى تأثير الفزاعة التي تقول إنّ الحرب على طرابلس هي لدوافع فردية ومآرب سلطوية، تلك الفزاعة التي تتغذى على بعض الأخطاء وتعززها بعض التصرفات التي لم يستطيع أصحابُها إخفائها أو حتى تأجيلها. والأسوأ منها هو ما يروج له المغرضون بأنّ الحرب هي حرب بين الشرق والغرب ، رغم إنّ هذا تأويل وتصنيف خاطئ وخبيث وعارٍ عن الصحة والغرض منه هو تضليل أهالي طرابلس والمنطقة الغربية وسيكون له وقع في نفوس البعض. لهذه الأسباب جميعها وغيرها الكثير فإن الحرب التي تدور رحاها الآن على أطراف طرابلس ، والتي أظنها قد بُنيت على معطيات خاطئة ، وحسابات مغلوطة ومتسرعة، إذا ما استمرت هذه الحرب ستكون الضريبة والتكلفة أضعاف مضاعفة لما حدت في بنغازي في صفوف الليبيين ، وممتلكاتهم ، لأنها ستحصد أرواح المئات بل الآلاف من الشباب قبل أن تنال من الإرهابيين ، وسنفقد بسببها الكثير من الضباط والجنود ، وسنخسر بعض الكتائب المهمة التي لا يمكن تعويضها بسهولة،وللأسف و حسب مجرياتها خلال ما يزيد على أسبوعين من اندلاعها قد لا تتمكن من القضاء على الإرهابيين أو حتى مجرد الوصول إليهم. وما لم يتداركها العقلاء والحكماء من الليبيين فقد تؤدي إلى انشطار الوطن وانقسامه إلى دويلات متناحرة لا سمح الله. فلا أرى فيما أراه إن انتصارا قريباً سيتحقق لأي طرف من أطرافها إلا إذا تدخل الأجنبي على الأرض وهذا سيكون أدهى وأمر وسنعود للاحتلال الأجنبي بصورة صريحة ومباشرة. ينبغي أن يكون هناك صوت وطني ينادي بقوة لإيقاف الحرب وتجنيب البلاد نتائجها وآثارها المدمرة. إن نقوم نحن بإيقافها ، أفضل من أن يقوم بإيقافها الأجنبي أو تأجيجها على هواه وهو يملك القدرة على ذلك في الحالتين، وفي الحالتين ستكون النتائج لمصلحته وخاصة عندما تُنهك قوانا ونكون ضعاف خانعين، ولن ينالنا منها نحن إلا الموت والدمار تم الاحتلال أو التقسيم . أوقفوها فأغلب الذين يقاتلهم الجيش الآن هم مغرر بهم وليسوا إرهابيين ويمكن تحييدهم. اتقوا الله في أنفسكم وفي أبنائكم وأوقفوها، ويمكنكم بالحوار إنجاز أضعاف مما ستنجزونه بالحرب ، وهنا ودائماً أؤكد بأنه لا حوار مع الإرهابيين ، ولكن يمكن محاورة الذين يحتمي بهم الإرهابيون وتظللهم الآلة الإعلامية، ويمكن تحييد الكثيرين منهم وإنجاز الأكثر . أهلي الكرام في بني وليد قراركم الحكيم باجتناب الحرب ، وتاريخكم الوطني المشرّف ، واحترام الليبيين لكم ، كل ذلك يؤهلكم للقيام بالدعوة لإيقاف الحرب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هذا قدركم وما ينتظره الوطن منكم ، أوقفوا النزيف واحقنوا الدماء وأنقذوا ليبيا، مركزكم الاجتماعي يمكنكم من التواصل مع الحكماء والأعيان في قبائلنا ومدننا في الجنوب والشرق والوسط والغرب ودعوتهم للالتقاء في ضيافتكم في بني وليد العزيزة ، وإعمال العقول وتوحيد الجهود لإيقاف الحرب وإخراج البلد من هذا المأزق. نسأل الله أن يلهم الجميع الصواب . حفظ الله البلاد والعباد من شرٍ يُراد .