الثوريون لا يموتون ..

الفارس الليبي
مشاركة المقال

يعلم أنه طريق شاق ووعر ، وملئ بالمواجهات الخطرة التي تكون فيها الروح على راحة الكف ، ويعلم أن الوقت في سنوات السقوط بطئ وثقيل كالمشي على جمر متقد يزداد وهجا كلما لامس صلصال من حمإ مسنون ، ساعاتها ألم ، أخبارها فقد ، أحلامها أنتظار مر ، ذكرياتها وجع ، تفاصيلها مكابدة ، مواقفها صعبة ، خياراتها مرة .. ويعلم أن تلك السنوات في الضفة المقابلة تبتسم للذين باعوا ضمائرهم وذممهم واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ، وبيقين لايتزعزع رفض كل العروض التي  أتت من بعض الرفاق الذين أختاروا طريق أخر من القاهرة نحو البيضاء والرجمة وحتى أبوستة ، فلم تغريه الأضواء بلوثة السياسة ، والمناصب بتشويه التاريخ ، وظل على ذات الوعد والعهد بعزيمة لاتلين وأرادة لاتخور ويقين لايطاليه شك ..

يعلم كل ذلك الثمن الباهض ، وأختار الموقف والموقع بكل رضا ، ومشي في الطريق الشاق بقلب مؤمن ، ينتظر وعد الله بنصر في الدنيا و أجر في الأخرة ..

من هناك .. حيث يشتد الحنين لنسائم سلام تعانق القلوب الهشة ، ويزداد العشق لوطن أحتضن صرخة البكاء الأولى ، وعانق زفرة الدهشة الأولى ، وشكل الملامح التي لاتشبه غيرنا ، وخلطة كيمياء مزاجنا وذوقنا وسلوكنا بكل براءة الروح وثورة الغضب وحمية الانتماء وكبرياء الخطوة وأنفة الحضور ، ورسم الأحلام التي عجزت عن إحتوائها المجرات السابحة في الفضاء ، ونقش على جدرانه الأسماء بفرشاة الحب والجنون ، في جغرافيا أصبحت ذرات ترابها أغلى من الذهب الذي يفتن النفوس ، واسمها ورايتها قلادة تطوق العنق كالجسد في احتواء الروح .

من هناك .. حيث تفقد الحياة قيمتها التي كانت بطعم الفرح كغيث منهمر في ليلة شتاء ساحرة ، وتضعف الروابط بملذات الدنيا التي كانت كعلب الهدايا الفاخرة ، وتفك الارتباط بالمشاعر المجنونة التي كانت تداعب الجوارح كقمر يتسربل بين أسراب النجوم لعناق الأفق في فجر أبلج ، ويصبح ملك الموت الزائر الدائم ورفيق المشوار الصعب ، الذي لايغيب إلا لحظات اصطحاب أحدنا أو بعضنا في رحلة اللاعودة ، دون أن يخبرنا عن تلك المواعيد لنستعد لوداع مهيب ، ويترك لنا تخمة وجع تشتعل في أرواحنا المشبعة برطوبة الفقد ، فنترجمها أنات حارقة تخرج من حناجرنا كإنسلال الروح من الجسد ..

كان بيننا ، نتقاسم الخبر والحلم والشعار والمشروع وتحايا الود ومواقيت الفخر ومواعيد الرباط ويقين الإنتصار ، يشد أزرنا في لحظات إجتياح نوبات الضعف والوهن من شدة الطعنات ، يزرع فينا الطاقات الإيجابية بابتسامات واثقة كفرسان يطاردون الموت بين زخات الرصاص ، تواعدنا أن نلتقي في فردوس أخضر بفرح أخضر وحلم أخضر ، ورتبت فواصل أحاديثنا مراسم المشهد المهيب كما لم تجسده كل التقنيات الحديثة في أساطير الخيال العلمي .

ولأنه لايخاف الموت ، ولم يخشاه يوما ، وأعتاد وجوده بالقرب ، فكثيرا ما مر جانبه وشاهده رأي العين ينسل ذات اليمين وذات الشمال ، لهذا لا هو يبالي بوجوده ، ولا هو يجرأ لتحديد مواعيده ..

هكذا كان الصابر المحتسب" عبدالفتاح الشويرف " يتقد حيوية ، يمتلئ ثقة ، يبشر بالوعد ، يبعث روح الحياة ، يتفقد الرفاق ، قبل أن يباغثه الموت في ساعات يوم ليس ككل الأيام ، يوم 28 مارس الذي طالما أعتبره محطة تاريخية قهرت الموت القادم من وراء البحر وأعادت للأرض كبريائها وللسماء رونقها وللإنسان كرامته وللتاريخ حضوره المهيب ، فأختار الموت مناسبة تليق بوداع رجل يعرف قيمته ، وأختار الرجل اللقاء به وحيدا إلا من تخمة الإيمان بأن للحياة موعد أخر في جنات لايطأها إلا من أتى الله بقلب سليم ..

أنه الموت الغادر ، دون مقدمات تحين فرصته ليصطحبه دون موعد ودون وداع ، ليترك لنا ذلك الخواء الذي لايملئه غيره ، ليبقى بلسمنا الوحيد كلماته كأنها رسالة حب لنا ولرفاق المعركة وأخوة الوطن وحواريي الرمز وأصحاب التاريخ ، فلم يترك لنا سوى وصية راية لاتسقط حتى ترتديها ليبيا كعروس ترصع ثوبها بأوسمة التاريخ ، وتعيد للمتوسط هيبته على بقايا غزاة طالما كانوا وجبات شهية لأسماكه ..

نم قرير العين أيها الأخ الوفي ، فأمام الوداع لانملك إلا الدعوات الصادقة أن تكون في فردوس الله وجناته العلى بجوار النبيين والصديقين وشهداء بدر والقرضابية وقاريونس والبريقة وأبوسليم ورقم أثنين ، ولأهلك الثابتين ورفاقك الصامدين وأحبائك الرائعين جميل الصبر والسلوان.