حديث الجمعة

الفارس الليبي
مشاركة المقال

يقول تعالى ( ما سلككم في صقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين )

في سورة المدثر .. يوضح الله أن المسلمين المخلصين أصحاب اليمين يسألون بعضا عن الكافرين : ما الذي أدخلكم جهنم ؟ فيقول المجرمون : لم نكن من المصلِّين ، ولم نكن نتصدق على الفقراء والمساكين ، وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغَواية والضلالة ، وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء ، حتى جاءنا الموت ، ونحن في تلك الضلالات والمنكرات ..

وضع الله الخوض مع الخائضين قرين ترك الصلاة والزكاة وعدم الإيمان باليوم الآخر .. ليوضح لنا حجم الكبيرة التي نرتكبها دون أن نعي ، عندما نسير خلف الخائضين والكاذبين والغاوين ، ونردد أقوالهم وشعاراتهم وهتافاتهم ..

في الآية طرفين هم ( الخائضين والذين يخوضون معهم ) وهم في ذات المرتبة من الذنب والإثم والحرام .. كلنا يعرف من هم الخائضين ، فهم الذين ينسجون الأكاذيب ، وبفصلون التهم الباطلة ، ويسوقون الفتاوي الضالة ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، لكن لإرضاء الضمير والهروب من الشعور بالذنب نتجاهل أولئك الآلاف وربما أكثر الذين يعيدون ترديد تلك الأكاذيب والفتاوى والتهم والتشويه ..

في 2011 كان ( الخائضين ) يسوقون أكاذيب ( حماة الوطن مرتزقة يوغسلاف وأفارقة ، قائد الوطن يهودي كافر أسمه جاليلو ، عاصمة الوطن تقصف بالطائرات ، حرائر الوطن يغتصبن بالآلاف ، أبناء الوطن أزلام وعبيد وكتايب وفلول ، أرصدة الوطن مسروقة في بنوك أوروبا ، أجيال الوطن تم تجهيلهم ، نهر الوطن مشروع فاشل ، مدينة البيان ستمسح من وجه الأرض ، حلف الناتو أبابيل الله ولو حضره الرسول لتحالف معه ... ألخ ) ، واليوم نعرف أولئك الخائضين بالاسم والشكل ، لكن من منا يعرف عشرات الآلاف من الذين كانوا في الساحات والجبهات والقنوات ( يخوضون مع الخائضين ) والذين توعدهم الله بذات العقاب ، وجعلهم قرين تاركي الصلاة وعديمي الإيمان باليوم الأخر ..

الأمر جد كبير .. وإن كنت نسيت فما كان ربك نسيا .. وإن كنت اعتقدت بأن تغيير الشعار والخطاب واتجاه البندقية سيجب ما قبله ، فالله لا يقبل عمل بدون إعلان توبة والمجاهرة بها ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم ) ..

في الآية تنبيه مهم .. أن لا نتكلم بدون معرفة ، ولا نسير بدون وعي ، ولا نقلد الآخرين دون تدبر ، ولاتغرينا كثرة أو قوة أو عذب خطاب أو جمال منظر أو حبكة تقرير ، بل علينا التأمل والتأكد والبحث والفهم حتى لانقع في ضلالة ( الخوض مع الخائضين ) ..

الأمر عظيم .. فكم بهذه الألسنة حدثت بدع .. وقطعت أرحام .. ونزفت دماء .. وقُتل أبرياء .. وسجن مظلومون .. وهجر سكان .. وأُكلت أموال .. وأُنتهكت أعراض .. ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم )

فهل هذا كافي لوقفة تأمل وحساب للنفس عما أقترفت قبل يوم الحساب حيث يوم لاينفع الندم .. بدل الاستمرار في الضلالة والكبر والعناد ، وتفصيل المبررات ، وتعاطي المسكنات ...