هالة المصراتي مشاركة المقال الإهداء إليك أيها الإنسان يا من ألهمت الذاكرة الإنسانية لتستحضرك سرداً عطراً ، تتنفسه الروح وتتنشي فرحا ، لكونك لازلت الجزء الأروع في ذاكرتها (اكتشاف القائد الذي لم اعرفه ) وحدها (( الكتابة )) ولا شيء آخر هي التي قادتني لأكتشف معمر القذافي الإنسان ، ليس من الصعب على الباحث إن يتعرف على أفكاره وأطروحاته ، ولن يستصعب على القارئ الإطلاع على أدبياته التي صاغها في سلسلة من الكتب ونشرت في العديد من الصحف والدوريات والمواقع الإلكترونية ، كما إنه يمكن لكل مشاهد أن يتابع تصريحاته ، خطاباته ، محاضراته من خلال ما يبث في معظم القنوات المحلية والعربية والعالمية ، فكل هذه الجواب هي مرئية ومعلنة وظاهرة وموثقة ومدونة ويمكن لكل مجتهد وساعي ومتابع وباحث ومشاهد أن يطلع عليها ، مما يجعله قادرا على تكوين إنطباع مسبق على العقيد معمر القذافي ، و فكرة عامة حول شخصية الثائر و القيادي والمفكر والفيلسوف والأديب .. ومن يتمعن في البحث حوله سيجد أن العقيد معمر القذافي ، بأفكاره التي يطرحها بمواقفه التي يفرضها ، بتوقعاته التي غالبا ما يحذر منها الآخرين وتصدق ، بفلسفته التي هي نتاج عمق إنساني قبل أن تكون مجرد تقليد وتقليع ، يجد أن هذا الرجل هو الممكن والمستحيل في آن واحد ، الممكن لأنه أستطاع أن يجمع في شخصيته كل هذه السمات والمميزات وينفرد بكونه مفكر ومبدع وليس مقلد ومنتهج لنهج الآخرين فيما يطرح ، أما المستحيل فإنه من الصعب أن يتخيل المرء كيف لوليد الشيخ المذقع والفقر المجحف ، من نشأ في باديةٍ فقير، في عهد كانت لقمة العيش تؤكل بذلة ، والجهل مصاب الفرد والملة ، أم التخلف فكان للجموع علة ، وما أكثر المصائب والعلل في زمن الإستعمار والطغيان، في عهد النظام الملكي البائد ، حينها كانت لتكون كل الظروف مستحيلة لتنجب رجل بإرداة وطموح العقيد معمر القذافي ، فالإرداة إذعنها الجوع والفقر بالنسبة لجل الليبيين ، والطموح أنحسر في توفير كسرة الخبز . يبدو إن الجوع والظلم والفقر والمعاناة والحلم والأمل والحرية والإيمان كلها حوافز جعلت القائد يتأثر ويتمرد وبالتالي يتفرد في تفكيرة في أحلامه في إيمانه بكون الحق سينتصر وأن الظلم سينجلي ، وأن الحرية هي الغاية الكبرى ، فإذا جاء زمن الحريات بشمسه التي تشرق على كل المدن الليبية حينها ستكون كل الغايات والأهداف الأخرى في حكم الممكن والـ لا مستحيل .. فكانت الثورة .. أكبر أنتصاراته وأكثرها تعجيزاً لمعضلة كل متسائل يسأل : كيف للمستحيل أن يصبح ممكن بعقلية معمر القذافي وحده تاريخ 1-9 -1969 يجمع الممكن والمستحيل في إجابة واحدة ؟ ولكن بالنسبة لي وعن قرب لم يكن هذا هو المستحيل الذي جعلني أتوه وأفكر من هو القائد ؟ أو كيف أستطاع أن يحقق كل هذه الإنجازات الانتصارات ؟ أو كيف أستطاع أن يستمر طيلة 41 عام وهو على ذات نهجه ونسقه وفكره ؟ والأهم كيف لرجل واحد أن يسلب عقول الملايين من حوله ؟ بل ويجعلهم يلتفون حوله بقلب واحد ؟ وكل واحد منهم لا يتواني عن الموت دفاعا عنه ؟ بل يبجلون روحه عن أرواحهم وأرواج ابنائهم وبناتهم وذويهم ؟ هل فعلا أستطاع القائد معمر القذافي شراء كل هذه النفوس والذمم ؟ وهل الحب الصادق والوفاء الذي بلا حدود يمكن أن يثمن ؟ في الواقع لو كان هناك من جدل وعلامات استفهام وجب أن تطرح حول رجل الصحراء وفارسها فمجملها تدور حول سره في استحوذاه على عقول وقلوب وأرواح الملايين من ابناء شعبه والشعوب الأخرى ... ؟ ( هكذا كنت أرى القائد ) لازلت أحفظ في ذاكرة طفولتي بتركماتها السحيقة ، مشاهد وأحداث ومواقف وتسؤلات بريئة ، لبعض الأمور التي كنت أجهلها عن الوطن وما يحدث في هذا الوطن في سنوات عمري الأولى ..؟ لازلت أذكر تلك الليالي الباردة التي كنت أقضيها في بيت جدتي التي تجاوز عمرها 70 ، عندما تطرق الأبواب بعد منتصف الليل ، من زوار الليل وهم يبحثون عن أولئك الذين تواطاءوا ضد الوطن ، أسأل جدتي من هؤلاء ؟ فتجيبيني أنهم رجال الأمن يبحثون عن الكلاب الضالة ..! فأسأل مجدداً : من هم الكلاب الضالة ؟ فتجيبي بفلسفتها العجائزية وفطرتها السجية : الكلاب الضالة هما الي يسبوا في معمر . فأسأل : وليش يسبوا في معمر . فتجيب : لأنهم ما يحبوشي . فأسألها : وليش ما يبحوش معمر .. فتنهيني عن الحديث في هذا الأمر حتى لا أكون مثل الكلاب الضالة . يومها أدركت أن الحديث بالسوء عن العقيد معمر القذافي جريمة وأن من يتحدث عن معمر القذافي أو لا يقبل بوجوده يعتبر أيضاً جريمة ، وإذا حدث وتحدتث عن القائد بشكل مسيء قد يتم مطاردتي ككلبة ضالة أنا الأخرى ، يومها أيضا أدركت قبل أكثر من ربع قرن وقبل أن يقر المهندس سيف الإسلام والمؤتمرات الشعبية الأساسية أن معمر القذافي خط أحمر لا يجب أن نتحدث عنه ولا يجب أن نمقته ولا يجب أن نكون ضده ، يجب أن نحب قائدنا ويجب أن نذكره بالخير .. هذه القناعة لم تعززها في مناهجنا التعليمية ولا حتى المؤتمرات الشعبية ولا حركة اللجان الثورية ، ولا القائد نفسه ، هذه القناعة عززتها في سيدة عجوز ، أجبرتني منذ نعومة أظفاري قبل أن أتعلم حروف اللغة وقبل أن أتعلم القراءة والكتابة ، وقبل أن أفهم شؤون السياسة ، وقبل أن أدرك مفهوم النظام الجماهيري ، أو مفهوم السلطة الشعبية ، ومبادىء حركة اللجان الثورية ، تجسد لدي هذا الهاجس الذي يحثني بأستمرار على الإستماع للقائد وعدم تناول سيرته بالسوء ، الأمر الذي جعلني أستمع لخطاباته وبضجر طفلة تستمع ولا تفهم ، وجعلني أخشى تقليب القناة ما إذ كان القائد يلقي خطاب أو تبث نشرتنا أي خبر عنه ، وربما أضحي بمتعة مشاهدة أفلام الكرتون في القناة الثانية الإنجليزية ، لأستمع لخطاب أكبر من عمري ، خشية أن أصنف ككلبة أو جروة ضالة صغيرة ... أعترف أن الخوف كان هاجس ، وأن الانصياع لم يكن طوعا وإنما جبراً ولكني أعترف أيضاً ، أني مع الوقت لم أعد تلك الطفلة التي تستمع نتاج رهبة أو توجس وإنما أصبحت أتابع الخطب وأدرك أن هموم القائد في تلك المرحلة أتسعت بأتساع هموم الوطن العربي ، وإن تمرده ضد الظلم تجاوز خارطة بلادنا ، ليحل بشموخ عزه في قلب الولايات المتحدة الإمريكية ، أدركت أيضا أن معاناته تجاوزت أحساسه بهموم المواطن الليبي ، بل وصلت لعمق فلسطين بحرارة تجلت في خطاباته الساخطة لكل إنتهاك وعدوان على الشعب الفلسطيني الأعزل ، بدأت أحترمه بعقلية طفلة قادرة على أن تميز بين الخير والشر و بين الجنة والنار وبين الحق والظلم ، أدركت بنضجي المتواضع أنه َخَيرًا ليس شريرًًا ، صالح ليس بطالح ، رجل حق ليس بظالم ... يبدوا أن أصدق الحقائق تلك التي نستخلصها ونحن على سجيتنا دون تعقيد أو تقعير ، التي يتكهن بها أبائنا وأجدادنا من يستطيعون بعمقهم الذي هو نتاج لسنوات جحاف ولحياة مضنية ، أن يقروؤا ويفسروا الأمور بظاهرها كما هي ، دون الحاجة للفهم المستعصي أو الخوض في شؤون السياسية ، أو معرفة ما إذ كنا وطن ديمقراطي أو عكس ذلك ، وما إذ كان نظامنا مثالي أو غير ذلك ، فعبارة " الحمد لله " وحدها كانت تؤكد كم كان الرضا هو مفتاح قناعاتهم ، وشعورهم بالراحة كون الوطن بخير والخير يعم كل البيوت ولا توجد تفرقة بين بيت وآخر وإن وجدت لم تكن مظاهر الإحتقان قد ظهرت أو أفرزت الملتفين والحاقدين والمخربين .. كنا مع الوطن والقائد والثورة ، نعادي فعلاً من يعاديه ، ونصافح من يصافحه ، ونحتضن من يؤيه ، ونقاطع من تطاول عليه .. كنا لحمة واحدة لا وجود للشتات مكان بيننا ، نلتف حول ثورثنا وقائدنا ويجمعنا قاسم مشترك هو حب ليبيا ..والحرية لكل الليبيين .. ولكن بمضى الزمن ويجل التراكمات والمخططات المحاكة ضدنا في مطابخنا الداخلية والعربية والدولية ، أصبحت ليبيا مطمع لكل طامع ، وأصبح القائد عثرة كل الطامعين تحول دون تحقيق أهدافهم ، وأصبحت الأمور أكثر تعقيد ، فكانت الحروب ، فالحصار ، فالتهم ، فالتخاذل ، وإفراز طبقة من عامة الشعب تطمح لإختزال سلطة الشعب في آياديها ، ولم نعد متساويين ولم نعد نحب بعض بالقدر الكافي الذي يجعلنا في مأمن من كل عدوا داخلي أو خارجي ، ولم نعد تهمنا المصلحة العامة بعد آثر البعض الملصحة الخاصة وجعلها فوق مصلحة العوام ، كثيرة هي المراحل التي مرت بها ليبيا ، ولكن برغم كل ما مرت به لازال الثورة مستمرة ولازال القائد يحرص على استمرارها ولازال يحاول حمايتها وعدم الالتفاف عليها . ورغم كثرة الملتفين والخونة والحاقدين والأعداء لازال القائد مستمر ، ولازالت صفوفه محبيه موحدة ، ولازال حب الناس له لم يقل ولازال هناك من هو على أهب الإستعداد ليفديه بروحه ، رغم المحاولات المستمرة لتجسيده ظالما – شريراً – دكتاتوراً – حاقداً – غاصباً .. ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل لمرات عدة تكاتل المتكتلون لإنهاء وجود ولإغتياله ، ولزعزعة صفوفه ، ولقلقة أمن الوطن ، وتقسيم ترابه ، وتهميش مواقفه ، وغيرها من أمور من شأنها أن تنهي وجوده وهذا ما لم يحدث بقدرة الله عز وجل ... ولكن كل هذه الأمور ساهمت في أن يكون العقيد معمر القذافي ، غير مرئي في أكثر جوانبه المضيئة ، التي لم نعرفها ، لأننا لم نحظى بشرف الأقتراب منه ، وهذه الجوانب لم يلمسها إلا من عاشره وعرفه عن قرب وعمل معه عن قرب وعاش معه عن قرب ، أمور فعلا يعجز المرء عندما يستمع للرواة وهم ويسردون الجزء الأعظم فيه ، على إستحضار كلمة تنصفه أكثر من كونه فعلاً يستحق إن يكون إنسان وخليفة الله في أرضه كما يجب وكما تستوجب الحكمة الإلهية ، بالأمس كنت أخشاه وربما احترمته لمواقفه ، ووجب على أن أكون من ضمن من يحبون هذا القائد لأنه درس تعلمته قبل تعلم الكتابة ، كحبنا وعشقنا الفطري لذوينا ، أما اليوم ، فشيء مني أصبح يحمل له مشاعر أكثر قيمة من ذي قبل وأكثر وفاء وأكثر صدق لأني عرفت وأدركت وحظيت بمعرفة ما لا يعرفه الجميع عن القائد .. كان مضمون الكتاب التحدث عن القائد الإنسان ومواقفه الإنسانية ورحلة بحث ولكن جأت فبراير ولم يكتمل كتابي الذي كنت اريده موثقاً بمجموعة لقاءات مع الشيوخ مع العجائز مع المقربين منه .. ولكن عهداً أمام الله سأكمل الكتاب لتعرفوا من هو معمرالقذافي الإنسان ...