الأرض عشق واستحقاق والروح ملح وفداء

الفارس الليبي
مشاركة المقال

الأرض عشق وأستحقاق ، والروح ملح وفداء ، شكلت الثنائية سر الخلود ولوحة الحياة ، كانت في عينيه رائحتها وسنابلها وفصولها وثورتها ، وكان على سفوحها يرسم براءته وكبريائه ووعده ووعيده ..

القدر أستعجل الموعد ، وحمم الشر أطلت من حافة الأفق ، والمآذن صدحت أن حي على الجهاد .. وبين هول الصدمة ووخزة الوعي وجينة آل البيت ، كان القرار .. لا رجوع ..

من باب العز ، وخيمة الطهر ، وقمة السراي ، وحنايا عروس النهر ، وضفاف الموج الأزرق ، كان نداء الأرض يعيد صدى تراتيل السماء ، فتشق الكلمات الزحام ، وتشكل برزخا بينهما هذا ملح آجاج وذاك عذب فرات ، ومن هناك يتسلل السامرى خلسة من شقوق البيت وأطراف الثوب وأهداب العيون ويعتلي منبر الصلاة ، كثعلب في رداء الواعظين ، وتردد خلفه الجموع بعبادة العجل الذي أرهب أزيز خواره الأسماع ، فخروا له ساجدين ، وبايعوه نبيا ومرشدا وإماما ، وقرأوا خلفه التلموذ ببركة أساطير شعب الله المختار . والمحتار من أين تؤكل الكتف ..

بإبتسامة الوعد ، وحنين اللقاء ، وشوق المواجهة ، أرتدى هو لباس زفافه لمعشوقته التي أنتظرته حتى بلغ أشده وأستوى في مطلع عقده الثالث ، وترجل بين الأزقة ممتشقا بندقيته كفارس لم تهزمه المحن يوما .. تفوح منه عبق ملحمة الهاني وعاديات القرضابية وعصى البدوي الذي طرد فلول هويلس يجرون أذيال الهزيمة .

في العشرين من الشهر الثامن من عام الردة ، أشتد الوطيس ، وغطت زخات الرصاص المكان ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، بينما كانت أمرأة أبولهب من الجزيرة وشبه الجزيرة ورواق الجزيرة التي ظنناها تعرف قيمة " العيش والملح " لكنها أكلت العيش وباعت الملح في سهرة ماجنة بغرف قاعدة العديد الحمراء ، فقادها النبيذ المعتق والمجون السافر لجلب الحطب وإشعال النار وإغواء القوم المتولين يوم الزحف . بجنة الخلد وملك لا يبلى .

في أتون المواجهة الحامية ، شوهد ينزف ليسقي الأرض العطشى التي وعدها أن يكون لها عريسا ، فكتب مشهده الأخير كما أراد وكما أحب ، وغاب عن الأنظار .. أختلفت الروايات لكن المؤكد أن الأرض المقدسة التي أنتظرت طويلا ، قد أختطفت فارسها من وسط الزحام ، فهي تشتعل غيرة على فرسانها ، وتحيطهم بذراعيها ، وتتوسد أنفاسهم ونبضات قلوبهم ومهج أرواحهم التي كانت تنشدها معلقات الغزل فتحيلها أميرة من عصور العائلات الأرستقراطية .

كان المشهد مزيج من مشاعر ثائرة ، بين فقد وشهادة ، بين وجع وسعادة .. فالوداع مر ، حتى مع علمنا أن الأرض التي عشقناها أقامت زغاريد الفرح وهي تخطف فرسانها من أمام أعيننا ، ولأن الأرض تستحق ، والتاريخ يستحق ، والشرف يستحق ، والغد يستحق ، منحنا فلذات أكبادنا حبا و طواعية .. سنذكرهم ، ونكتب سيرتهم ، ونخلذ ذكراهم ، ونرفع أسمائهم أوسمة على صدورنا ، ونباهي بهم أمم الأرض .. فبقدر وجع الفراق كانت أوسمة المجد .. ولكل الشهداء دعواتنا ووعدنا لإكمال المسيرة حتى احدى الحسنيين ...