الزبير غيث مشاركة المقال الوطن .. وما ادراك مــا الوطن !.. ما لمْ تُولدَ فيه وتنشأ وتترعرع ، ويشتد صلبكَ بجذور الأصل والانتماء والثقافة والضمير، فتتوّلدَ فيه الهوية الوطنية وتفتخر بها ، ترتبط حباً صادقاً بأهله وترابه وأمجاد السلف ، تتنفسُ نسائمه في كل صباحِ ، تقرأ جرائده اليومية أو تسأل عن حاله بعد أداء فرائضك الدينية وتدعو له، تشرب قهوته وأرجيلته ، تأكلُ البازين والعصيدة والرشدة والمترودة وتُطعم المحتاج وأبن السبيلَ .. ترى جباله وشواطئه ورماله ومساجده ومبانيه وأكوامه ، تسترجعُ ذكريات طفولتكَ وأنتَ تلعب الكرة في أزقته وتضيعُ فيها، ثم تجد بيتكَ لتعود حاملا قطة صغيرة ، تذهب الهوينا إلى مدرستكَ وتقف في طابور الصباح للعلم والنشيد ، واحيانا في الفصل تنالُ عقاب التقصير عن الواجب أو الشغب .. لا تقطف أزهاره ولا تكسر غصن من أشجاره ، بل تتطوع لحملات التشجير وإعماره ، لا تهدر موارده وتبذّر فيها فإن الله لايحب المبذرين والمفسدين ، تعيشه بكل أفراحه، وتواسي همومه وأتراحه "أبعدها الله"، تغطسُ في ماء غدرانه بعد المطر أو تلفحكَ شمسه عند الهجير .. تسمعُ فيه حكايا جدّكَ الوقور عن الماضي التليد وأسلافه ، تنامُ على خرافات جدتكَ وأمكَ فتنعمُ بنوم هنيء .. تقابله في وجوه ابنائك واهلك وجيرانكَ ، وشئونك الخاصة والعامة وعلاقات العمل والخير، و وظيفتكَ ومشاكل الحياة اليومية ، تقابله وتلتقيه في مناخه وتضاريسه وبيئته وما يحتويه. الوطن ليس فقط تراب وجنسية وأوراق ثبوتية ، تظهر في جواز سفر ورقم وطني وبطاقة هوية وشهادة تخرّج ورخصة قيادة قد تسقط صلاحيتها وفق القانون أو عند نقاط التفتيش ، فيسالونك "منين أنتَ ؟" كأنكَ أجنبي اللون والشكل والوطنية والضمير تَغدر بالوطن .. أو تتنازل عنها لنيل جنسية أجنبية أو وظيفة في بلد أخر ، تعكف على "النت" باحثا عن الهجرة رغم هتافكَ للوطن في الميادين ، ولا هو فقط مغانم ومنافع تجنيها أو بيت وسيارة و وظيفة تمنحها لكَ السلطة أو تغتصبها منكَ ، فيتحول سخطكَ على السلطة والدولة نحو الوطن ، ولا هو ما تجنيه يداكَ أو تلُمه منه حين غفلة ، ولا هو حدود جغرافية وسلطة الدولة ، ولا رمزية العلم والنشيد ، ولا فُرصكَ فيه ونيلكَ للعدالة والحقوق لأنه ببساطة .. ما تحبه وتفديه وتعظمه من بعد الله ، وتورّثه لخلفكَ حقا ، وتفتخر به وتشتاق إليه ، فلا تطيق فراقه ولو مضطرا أو قسراً ، فلا تظلمه تفتخر بثقافته وتراثه وهويته المشتركة، وتحافظ عليها شرفاً دون ميز ، تسهمُ له بتقديم النفس عدلا ، وتتجذرَ انتماء عريقاً وترتبطْ ، فتراهُ في مراءة النفس يتعمّق ، فيحملكَ ويحميكَ ويفديكَ .. والوطن .. يربطه الهامعُون بالبطن، والبطن بيت الداء وأساس البلاء ، فيسرقونه وينهبونه ويدمرونه ، والبعض يربطه بحدود جغرافية وسلطة الدولة وسيادتها على إقليمها، مع عقدٍ ينشي سلطات ، ثم مشاركة بين أهله رغم اختلاف مكونهم فيتعارفوا ويتأنسوا ، ليؤسسوا "دولة القومية أو دولة الامة" فيرتبط الوطن بالسيادة على أقليم والاعتراف المتبادل ، أو يؤسسوا دولة المنفعة التي أفرزتْ مفهوم المواطنة والحقوق والواجبات .. في حين يرى بعض آخر أنه كل أرض العقيدة ، فنادوا بالحدود وفق العقيدة وليستْ بالتُخوم الارضية ، فتتوّلد الهوية دون حدود المكان ، وتنشأ العلاقات وفق العقيدة التي تتمحور حول التكليف الإلهي وتصير الحقوق ضرورات.. وهناك أيضا منْ يراه مرتكزا على هوية سياسية أو قانونية كقاعدة للعلاقات بين الناس ، لهم ما لهم ، وعليهم ما عليهم حسب القانون والقواعد. الوطن عموما لا يحتاج منْ يحكمهُ أياً كانتْ رؤيته وأفكاره وإنتماءه الفكري ، ولكنه يحتاج منْ يخدمه ، فيصير الحاكم خادما للوطن ، وهنا يسوقنا الحديث عن الوطن ومنْ يحكمه .. إلى حَالنا ، فعيبُنا .. أننا نظن أننا اغني منْ على الارض ، واننا نملك الارض ومن عليها وحدنا ، ونفرّط في وحدتنا وسيادتنا، ونُوجدَ العذر للغريب أن يدخل الدار ، وينتهكَ الحرمات ، ونشحنُ الوطن على مركب المغامرات ونختلف في الرؤى والتفكير فنتقاتل .. نُدمر ما هو كائن وموجود نهدرُ موارد الوطن ونسكبها في حريق هائل نزيده زيتاً من البترول ، والبترول أرخص من الماء صارَ ، فيأتي زمن لا نجدُ على ما نتقاتل ، فنندم، ويأتي زمن الحساب عند الله عن تفريطنا في الامانة ، والنفس التي أُزهقت بدون حق .. لقد حان الأن موعد أن نصحوا عند كل صلاة ، فإن نومنا صار كنوم أهل الكهف "مع الفارق في التشبيه"، صارَ البترول أرخص، حتى وأن لم يُمنعْ إنتاجه وتصديره ، وهو ما يجلبُ لنا حليب النيدو وخميرة الخبز والموز واللوز، وهو ما يُشغّل الكهرباء ، وهو ما يعالج المريض والجريح أيا كان سبب جراحه ... وحتى إشعار أخر .. سوف يعرف الفرقاء ، أن الوطن لا يحتاج الوِصاية ، وأن الحال صار مجلبة عار بعد الفرقة والخصام ، وأن البترول صار رخيص وشحيح ، ونسنتزفُ المخزون والمُجنّب وإحتياطي العملات ونوقف تصدير القار رغم تحذيرات المصرف المركزي ، وأن ليبيا قد تمر بأزمة مالية ، وقد تكون اقتصادية ، قد تعجز حتى الوفاء بقوت العيش .. فما بالك لو اشتعلتْ النيران وحُرّقتْ مساجد وبيوت يذكر فيها اسم الله ، أو قُسِمتْ البلاد، أو صارت مرتعا لجيوش العالم تحت طائلة مكافحة الارهاب .. فمن ذا سوف ينتفعُ ، ومن ذا سوف يُلام !