هالة المصراتي مشاركة المقال أن النفس البشرية معقدة جداً لذا لا عجب أن يعجز علماء الطب النفسي عن فك طلاسمها وتبيان تعقيداتها وخلال العقود الماضية حاولت بعض الدول والحكومات رصد ميزانيات ضخمة من أجل فهم النفس البشرية وما وراء النفس البشرية وهو ما يعرف في العلم الحديث بمسمى البارسيكولجي أو علم الروحنيات والطاقات ولكنهم عجزوا على وضع نظريات ثابتة أو حقائق علمية مؤكدة تخرج هذا العلم من إطار الفرضيات إلى المسلمات والحقائق ولازالت الابحاث جارية على ذلك وهذا يتوافق مع الطرح الذي جاء به القرآن الكريم حيث يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ((ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)) أما النفس في القرآن الكريم قد صنفت لثلاث النفس المطمئنة في قوله تعالى (( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْـمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)) وهي النفس التي انصرفت لعمل الآخرة زاهدة عن الدنيا ومفاتنها . والنفس الأمارة بالسوء في قوله تعالى ((مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)) وهي النفس التي تميل إلى الخروج عن طاعة الله وتملكها الشيطان وهي النفس التي تكثر من لوم صاحبها . ((لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ))والنفس اللوامة والحديث عن النفس يقودنا لوضع تساؤل عن النفوس التي تقود ليبيا على وجه الخصوص ..؟ وعن ماهية نفوس اليوم ..؟ وكيف وصل بنا الحال إلى هذا التغير في النفوس دون أن نشعر ..؟ وكيف أنعكس ذلك جلياً على حال المجتمع وبالتالي نفسية المجتمع الليبي مؤخراً ..؟ وكل هذه الأسئلة تقودنا إلى البحث عن مضامين الوعي الأنساني ما إذ كان مفعل أم أنه هو الآخر غائب وإذ ما غاب هذا الوعي فهذا يعني أننا أما كارثة سقوط الضمير الجماعي في مكب المنزلاقات اليومي وإذا ما سقط الضمير الجماعي وغيب فسنكون وجه لوجه قبالة أنهيار منظومة القيم والأخلاق والمبادئ اعمدة المجتمعات وضمان حسن سيرها عبر التاريخ في غياب الرقابة الحسية مما يجعل الانسانية لدينا معدومة أو في حالة فقدان . فكيف يمكن أن تقتل الانسانية فينا ...؟ فما نشهده اليوم في ليبيا من جرائم وأفعال يندى لها الجبين وأستهتار بالقيم وبمفهوم الانسانية وقصف الاعراف والتقاليد وفوضى عارمة تنم على أن المجتمع كله دخل لمرحلة من الجنون وربما الأنفصام تجعلنا نجزم مؤكدين أنه لو أجتمع علماء النفس والأجتماع سابقاً ليضعوا تصوراً لما ستؤول إليه الأوضاع لعجزوا خاصة إذ ما وضعنا في الحسبان ونحن نتأهب لدراسة ردود الأفعال الجمعية الليبية أن التركيبة التي نريد خوض دراستها هي منتمية لشعب عرف عنه ان شعب" وسطي كريم مسالم النية طيب الطباع حسن الخصال وغيرها من الصفات الحميدة التي كانت محل فخر لنا نحن كليبين " ولكن ما الذي حدث اليوم هو تغيرت طباع الشعب الليبي أم أننا لم نحاول من قبل تفكيك هذه الشعب وقراءته بشكل فرادي لا جماعي لنستطيع الوصول لحقيقة أصله وطباعه بشكل عام...؟ هنا لأقرب الصورة يحضرني الاستشهاد بما كتبه الباحث والمختص في دراسة سيكلوجية المجتمعات والجموع " غوستاف لوبون" بأعتباره يكاد يكون الوحيد الذي انفق من وقته وجهده لمحاولة دراسة ظاهرة الجموع وسيكلوجيتهم وهو الذي تأثر كثيراً بالأحداث التي لاحقت الثورة الفرنسية وعاش التغيرات الجذرية التي حصلت للمجتمع الفرنسي الذي انقلب على حاله من مجتمع مسالم إلى مجتمع عدائي منافق مبتز سافل بجملته ، رغم أنه لم يعايش الثورة الفرنسية وولد في عهد نابليون بونابرت الملكي وعاصر إنبثاق الجمهورية الاولى فكتب الكثير من الكتب محاولة منه لدراسة ظاهرة الانقلاب السيكولوجي الجمعي الذي صاحب مراحل التحول السياسي لدى عامة الجماهير ولعل أبرز كتبه في هذا الشأن كتاب " سيكولوجية الجماهير " وكتاب " روح الثورة الفرنسية " وغيرهما من الكتب ومن يحاول التعمق في قراءة ما كتبه غوستاف لوبون سيشعر مع المتابعة أن غوستاف لوبون كان يكتب بلغة السهل الممتنع فرغم أنه كان حريص في العديد من المواضع أن يكتب بوضوح إلا أنه في العديد من المواضع كان يكتب بشيء من التحفظ ولو كأنه كان يخشى خدش روح الثورة الفرنسية ولازال من هناك و بعد قرابة القرن من يعتبرها دين منزه لا يمكنه خدشه ولو بالكلمات فقد كان للثورة الفرنسية جيوش من المدافعين من يرون فيها أنها أمر مقدس لا يجب المساس به ولا التطاول عليه رغم أن من يبحث في تفاصيل الثورة الفرنسية سيجد أنها لم تكن أكثر من كارثة انسانية لحقت بالشعب الفرنسي تحت شعارات الحرية والعدالة والآخاء والمساواة ولكن من أن قامت هذه الثورة تم الاستعاضة بمفهوم الحرية بالتنصل من الدين واستباحة القيم كل ما كان مخالف للعادات والتقاليد والدين فانتشرت العادات السئية واللا أخلاقية بأسم الحرية أما العدالة فأن المحاكمات والقتل العشوائي والصراع الذي دار ما بين الثوار حينها في فرنسا فلازالت شواهده موجودة في العديد من الكتب وموثقة في العديد من الكتابات أما الآخاء والمساواة فأن الفقر أصبح وجه من وجوه فرنسا بشكل كبير والظلم أصبح طاغي وكانت نتائجه انتشار وأزياد معدل الجريمة وقطع الأرحام والصلات وانتشار الفساد ولم تكتفي فرنسا بذلك بل حاولت ان تنشر فسادها إلى دول الجوار والدول التي ما وراء البحر ولنا في حملات نوبليون بونابرت دلالات واضحة وحقائق تاريخية مؤكدة .. ولكن كل ذلك ليس بغريب إذ ما عرفنا أن الثورة الفرنسية كانت صناعة ماسونية تم التخطيط لها مسبقاً لأشاعة الفوضى ووالمساعدة في انهيار منظومة الاخلاق ونسف الدين ..خاصة إذا ما عرفنا أن من خطط للثورة الفرنسية هو اليهودي آدم وايزهاوبت في سنة 1770 وقد أسس لتحيق اهدافه ما تسمى آنداك بحركة التنويرين أو جمعية النورانيين سنة 1776حيث ضمت آنذاك نخب واثرياء معظمهم من اليهود أجتمعوا جميعاً على تحقيق هدف واحد وهو تدمير الحكومات والديانات لإشاعة الفوضى الاخلاقية ولإنهيار القيم ولقد كانت لديهم قناعة إنهم بذلك يخدمون "لوسيفر" أو ما يعرف بحامل الضوء وهو الشيطان .. وللأسف نجد أنه في زمن فبراير ظهرت حركة شبابية تطلق على نفسها أسم حركة التنوير الليبية الهدف من وراء هذه الحركة حسب مزاعمهم الاهتمام بمناشط الأدب والفن بأقسامه المختلفة كالمسرح والرسم وحتى الرقص، كمحاولة منهم لتقليد الحركة التي خرجت عقب الثورة الفرنسية المسماة بذات الاسم " حركة التنوير" كان الغرض من هذه الحركة حينها الاهتمام بنشر كل العلوم وجمع الكتب والمؤلفات وعدم الخوض في أمرين وهما الدين والسياسة ولكن أكثر ما ركزت عليه هذه الحركة حينها هو جمع المؤلفات الدينية وتحريفها بما يتوافق مع اهوائهم و والتعمق في الجانب السياسي وخلق نظريات سياسية تمهيداً لأحداث انقلابات دولية تحت مسمى الثورات لتقود في نهاية المطاف لصراع دولي كانت نتائجه الحرب العالمية الأولى وكذلك الثانية وتحل هذه النظريات محل الدين لدى الشعوب وانصارها كالنازية لاحقاً والماركسية والشيوعية . وفي ليبيا اليوم من يريدون أن يقودونا للنور لا يعرفون مصدر وأصل التسمية ولماذا خرجت هذه الحركة فكيف لنا أن نثق بأنهم قادرين على انتشال المجتمع من ظلمته هذا أن وجدت إلى نورهم "التنويري" ..؟ وأعود للحديث عن غوستاف لوبون فرغم أنه ما بين اندلاع الثورة الفرنسية سنة 1789 وميلاد غوستاف لوبون سنة 1841 بون شاسع زمني ولكنه بمجرد نضوجه كرس نفسه لدراسة سيكلوجية الجموع والتغيرات الجذرية التي طرأت عليه في طباعه التي تزامنت مع الثورة الفرنسية بمراحلها المختلفة .. وهذا يجعلنا نضع تساؤل آخر ما الذي جعل غوستاف يحي هذا الحدث ويقرر إعادة دراسته وتمحيصه والتدقيق في نتائجه بعد قرابة القرن ويخصصه لدراسة نفسية الجموع ...؟ أن المحاولة عن البحث عن إجابة يجعلنا نتخوف من قادمنا ونتسائل نحن أيضاً كيف سيكون الوضع في ليبيا بعد مئة عام قادم ، بعد أن تتغير الاجيال وتأتي اخرى ..؟ رغم أننا لم نعش من زمن فبراير إلا ثلاث سنوات ولكنها تكاد تكون مطابقة ومستنسخة من الثلاث السنوات الاولى لعمر الثورة الفرنسية أن لم يكن الوضع اليوم أسوأ خاصة مع انتشار السلاح والانفلات الإعلامي الذي أصبح يدخل للبيوت دون إستئذان، وانهيار الاخلاق واستمرار الفوضى .. 2فبراير 2014