رمضان عبدالسلام مشاركة المقال [1] من عيوب ليبيا أن جغرافيتها متسعة و أن سكانها قليلون ؛ متركزون في شريط ساحلي ضيق ممتد ، أو متناثرون في تجمعات صغيرة في صحراء واسعة ... من عيوبها أيضاً تنوع "ديمغرافيتها" و اختلافها؛ فلا يكاد يجمع أهلها غير اللسان و الدين؛ بل أن بينهم من يرون أنفسهم أقليات مغبونة ... هذه حقائق لا يمكن تجاهلها ؛ كما لا يجب المبالغة في التخوف منها. تجاهلها يساهم في تعقيد أزمة ليبيا؛ و المبالغة في التخوف منها إستسلام لهذه الأزمة ... اتساع الجفرافيا أو إختلاف الأعراف و حتى الألسن لا يشكل عائقا في قيام الأوطان و لا يضعف من قوتها ؛ مادامت قائمة على التوافق و القانون. القانون هو ما ينشيء الحقوق و يصونها و يحدد الواجبات . لكن حتى بوجود قوانين ستظل الأوطان مهددة إذا كانت أساليب إدارتها معيبة كما هو الحال مع ليبيا. ليبيا منذ أن نشأت ظلت تُدار مركزيا. بلاد بالعيوب المذكورة لا يمكن إدارتها مركزيا دون إجحاف و غبن يلحق معظم اهلها و مساحتها. الإدارة المركزية لليبيا هي ما يهددها و يعيق استقرارها و ليس عيوبها الأخرى . عندما قامت ليبيا على ثلاث ولايات تهمّشت اطراف الولايات على حساب مراكزها ، و حين انقسمت على عشر محافظات اتسعت الهوامش و كذلك كان الحال مع البلديات و الشعبيات .. [2] أي بلاد مثل ليبيا في إتساعها و تنوعها، إمّا أن تُدار بسلطة مركزية دكتاتورية – استبداد مستنير أو قيادة سلطوية – أو بسلطات محلية واسعة من خلال وحدات إدارية تُراعي الطبيعة الإجتماعية للسكان دون النظر للمساحات الجغرافية.. و لذا من المفيد أن توزع إدارة البلاد على وحدات إدارية تتحدد مساحاتها و نطاقاتها حسب خصائصها بإستخدام المعايير العلمية؛ قد تكون عشرين أو أقل بما يضيّق هوامشها أو يعدمها، و لا تزيد عن ذلك فتفقد مقومات "الكيان" الإداري. بيدها كل نصيبها من موارد البلاد العامة موزعة بنسبة عدد السكان ؛ و لها كل صلاحيات الإدارة و كل الحقوق بما فيها حق استخدام لسانها في نطاقها متى ما رأته في مصلحتها ، و لا تكون الإدارة المركزية إلا حارساً ضامنا لهذا و أمينا على إدارة جزء من الموارد العامة لتنمية المناطق الداخلية الفقيرة من السكان و استحداث تنمية حولها تجذب سكان المناطق المكتظة اليها و تسمح بتحقيق اندماج أكثر بين الليبيين يقوم على المواطنة لا العصبية بحيث تقوم دولة على غرار الإتحاد السويسري مثلا، تسعى لأن تكون في مستواه من التنظيم .. إن هذا يساعد على تحقيقه الميزة الوحيدة في ليبيا و هي مواردها الكافية؛ نسبة إلى عدد سكانها حالياً، و إن كانت محدودة و ليست دائمة؛ فهي في الواقع مورد واحد مهدد بالنضوب أو بالبوار ، فقد يضعه التطور العلمي في خانة الملح أو الفحم أو غيرهما من المواد التي كانت نادرة و ثمينة و تتحكم في حياة الناس ثم باتت بلا قيمة .. [3] غير هذا ستظل ليبيا اسيرة دوّامتها بين قِلّتين: واحدة مسيطرة على مواردها و أخرى تسعى لافتكاكها منها حد الحرب و من تتمكن منهما تمنُّ على الناس بجزء يسير منها لإسكاتهم عن نهبها و تركهم يوسّعون مشاعر الكره بينهم و ينموّن الضغائن و هم و بلادهم ينحدرون كل يوم للأسوأ ... [4] لكن؛كل هذا لا يضمن تجنب الحروب الاهلية بين الليبيين كالتي حدثت بعد سنة 2011 ؛ لأن نفوسهم متباغضة، تستوطنها الضغائن و تحكمها الشكوك حد الرغبة في تقسيم بلادهم و الإستعانة بالأجنبي ليس حبّا فيه بل كرهاً لبعضهم ؛ سيّماو أن الحروب من طبيعة النفوس البشرية حد أنها يمكن أن تنشب لأسباب واهية أو حتى بلا أسباب، لكن عملاً كهذا يرجح إحتمال تحقق استقرار لأماد بعيدة قد تتطهر فيها نفوس الناس ، فتظهر أجيال تعرف من حكمتها إن " إدراك السلم واسعا يتحقق بمعروف من القول "، و تصنع إلفاً يقتل الحروب التي تقتلها ...