رمضان عبدالسلام مشاركة المقال وقعت الفتنة؛ إذا جاز "تكريم" ما جرى بهذا الإسم. تنكّب طالبوها بنادقهم، و لاذ متقوها ببيوتهم . كانت الحسابات كلها على معركة أيام؛ لكنها طالت ؛ طالت حد أن صارت حرباً تُحسب بالسنين ، لا يدري أحد متى تتوقف ... على جناح القدر ظلت الحرب سارية. ببلوغ سنتها الأولى؛ لم يظهر أي من المتحاربين تفوقاً على غريمة. لم يعد أحد يفكر في نهاية الحرب؛ حتى أولئك المتفائلون بحسمها في أيام رفعوا سقف تفاؤلهم نحو اسابيع ثم شهور ؛ ثم يئسوا .. مرّت السنون تتلو السنين حتى علقت النّاس آمالها على الغيب و مضت. تكيّف الجميع مع الحرب. ظهر اقتصاد الحرب و تجارة الحرب و حياة الحرب الاجتماعية. في ذروة المعارك التي تدور حول المدينة كانت تعقد الصفقات التجارية و بين تقاطع النيران كانت تسير مواكب الأفراح و الأحزان. الشح في لوازم الحياة الذي شهدته الأسواق بداية الحرب تلاشى. صارت الوفرة هي السائدة و إن تضاعفت الأسعار ، و ساءت جودة المعروض من السلع. أخطر ما في الحروب أزدهار التجارة. إذا ازدهرت التجارة طالت الحروب. في أيام الجُمع تعقد الأسواق كالمعتاد. كل شيء تبيعه الناس ، لكن اغرب ما تبيعه هو الخبز؛ فالناس تضيق من طوابير المخابز من شحّه لتكتشف انه معروض للبيع كعلف للمواشي على عكس ما جُعل له .. عند نداء الجمعة و قبله بساعة تكون الأسواق قد انفضت . يغادر الناس نحو الجوامع و منهم نحو بيوتهم. يظل بعض التجار في المكان، و لكنهم يكفّون عن البيع . قال عتيق أكثر الباعة جدلاً في السوق الأمر بالصلاة يوم الجمع موجه للباعة أكثر من غيرهم، و هو أمر صريح بالسعي نحو ذكر الله الذي يمكن أن يكون حتى خارج الجامع. حتى في مكاني هذا. ثم تناول مصحفاً و أخذ يتلو ... في الجمع يتناول الخطيب ما يختاره من موضوعات تكون في معظمها قديمة ؛ لا تتعلق بما تعيشه الناس. أحياناً يتناول مسائل تتعلق بآداب الطعام و الشراب و اللباس، و كأن الناس طرأت على الحياة اليوم !. في زمن الحرب تبدل سلوك الناس و تغيرت أخلاقها و لكن حياتها ظلت سائرة. ظهر جيل جديد بقيم جديدة. جيل انتجته الحرب. عاش في كنفها و ترعرع فيها. جيل خبير في معرفة كل انواع الاسلحة خفيفها و متوسطها و ثقيلها. يكفي ان يسمع اصوات القذائف حتى يميز بينها و يحدد نوع السلاح. صارت الحرب سيرة و صارت وقائعها جاذبة. التحق كثيرون بالقتال و تركوا دراستهم. صنع توقف الدراسة مع بداية الحرب مناخاً دفع كثيرين نحوه. الفراغ الذي خلّفه توقف الدراسة و هي في شهورها الأخيرة و عدم إجراء الإمتحانات خلق شعورا مختلطا بين الحسرة و النشوة. رأى كثيرون في ذلك سبيلاً للحرية ما كان في حسابهم. لقد وجدوا اسباباً عملية يلقون عليها نواياهم. كانت الحرب فرصة اقتنصوها؛ تربّوا في محاور القتال. بينهم من صار من القادة. تغيرت حياة الناس، لم يعد يذهب منهم للعمل إلّا قليلون؛ لكنهم كلهم يتقاضون رواتبهم، اقفلت المدارس و المصارف و تعطل القضاء و غاب رجال المرور عن تقاطعات الشوارع، عمت الفوضى حركة السير، زاد عدد السيارات بسائقين لا يعرفون لا قواعد السير و لا آدابة، كلهم يحوزون تراخيص قيادة و كلهم لم يتعلموا القيادة و لا قواعد السير في الطرقات و لا يعرفون رموزها الدّالة، على قسوة الحرب و شح كل شيء ثم ارتفاع اسعاره بعد توفره ظل وقود السيارات رخيصاً حد الإغراء. صار لتر الوقود أرخص ثمناً من رغيف الخبز و لتر الماء. أكثر ما انتجته الحرب هو الطوابير. صارت الطوابير لازمة الحياة اليومية للناس فهي الطريق الوحيد للحصول على الحاجات . الخبز و الوقود و النقود و كثير من الخدمات. في الطوابير الطويلة تقضي الناس معظم يومها. بين المصطفين يظهر كثير من المحللين. يحلل الناس ما يجري و ينقلون أخبار المعارك كأنهم حضورها؛ و يرسمون خططا حربية لما خاب منها كأنهم ضباط أركان ؛ يقولون انها لو اتبعت لأنهت الخصوم؛ و صنعت النصر .. توقفت البلدية عن الخدمة، فتكدّست القمامة في الشوارع. صارت الشوارع محاطة بتلال القمامة. كلما هبت الرياح صارت السماء ملعبا للأكياس الطائرة تلقي بها في كل مكان و تعيدها إلى باحات البيوت في الغالب. الناس لا تكترث لهذا و لا للروائح الكريهة المنبعثة من المواد العضوية المتحللة التي تحتويها قمامتهم. كأنهم لم يتعلموا ، كأنهم لم يعوا في حملات التوعية التي كانت تنظمها المؤسسات الصحية.. في ناحية ما من المدينة استطاعت البلدية ان تنظف الشوارع و أن توزع عددا من الصناديق في الإنحاء للإستفادة من العدد المحدود من السيارات الضاغطة الذي نجا في مستودعها من النهب أو الحرق. في الليل عمدت الناس إلى تلك الصناديق و نهبت عجلاتها او اشعلت فيها النيران؛ لكنهم لم يتوقفوا عن انتقاذ البلدية و حتى لعنها و هم يلقون بأكواب الشراب و اكياس بقايا الطعام من نوافذ سياراتهم على الطريق السريع و كذلك في شوارع المدينة وهم راجلون ..