القيادة و ضرورتها

رمضان عبدالسلام
مشاركة المقال

قامت حياة الناس على جماعة؛ و قامت قوة الجماعة على قيادة .

تأسست القيادة في بادئها على الأبوة. ظلت العلاقة بين افراد الجماعة علاقة أبوية. الأكبر سنّا؛  الأكثر خبرة مقدم على الجميع. برأيه تسير الجماعة؛ و بمشورته تهتدي الناس ..

حتى كيانات الممالك في الماضي قامت على هذه القاعدة. بوجودها قويت و استقرت؛ و بغيابها ضعفت و اندثرت.

في الواقع الجماعات في الماضي لم تعرف كيانا يجمعها غير القبيلة حتى حين كوّنت ممالك ، و قد استمدت قيمها منها.

بخلاف المجتمعات الغربية؛ حين عبرت المجتمعات الشرقية الى الكيانات السياسية، ظلت الاعراف الاجتماعية و القيم القبلية عاملا مؤثرا فيها و دائما ؛ لم تستطع التخلص منه و فشلت في توظيفه، و ظلّت تغلف قبليتها بالمدنية. لقد الّفت الدساتير و صاغت القوانين ؛ و لكنها لم تلتزم بمحتواها و ربما لم تعيه و انجذبت للعرف أكثر.

لا تُراع المجتمعات الشرقية الدساتير ؛ و لا تخضع للقوانين . ظل و مازال الخوف من العقوبات هو الرادع . الاستقرار القائم على الخوف مكروه و يظل السعي للتخلص منه و لو بالتحايل قائم على الدوام.

 في حين حوّلت المجتمعات الغربية المعايير المدنية إلى أسس لاختيار قادتها؛ بل و حتى صناعتهم أو تكوينهم في مراحل مبكرة من اعمارهم ؛ ظلت المجتمعات الشرقية تخضع لمعيار التوريث ، و ظلت التي تداولت منها  قيادتها بالتوريث أكثر استقراراً من تلك التي تحولت إلى المعايير المدنية في تداول القيادة. حتى تلك التي تحولت إلى الأسس المدنية في إقامة كياناتها مالبثت ان تحصنت بالعرف أو بالدين من اجل الاستقرار و الاستمرار.

إن كل الذين انتزعوا القيادة في المجتمعات الشرقية بالقوة العسكرية او بالحيلة الحزبية صنعوا سدوداً من التحالفات الاجتماعية او الدينية حولهم لتدوم قيادتهم .

وهكذا فشلت المجتمعات الشرقية في إقامة قيادتها على معايير مدنية ، و عجزت في الحفاظ على المعايير الاجتماعية الموروثة في القيادة ، فدمرت ما كان يجمع بينها و تشتتت؛ و الحال ما نراه.

لذلك تحتاج هذه المجتمعات التخلص من المزاوجة بين المعيار المدني و الاجتماعي و توظيف ايجابيات الجانب الاجتماعي لاختيار القادة كمرجعية تحفظ وحدة الجماعة ..

لا شك أن لشخصية القادة تأثير في حسن القيادة ، غير أن تطور المعارف أتاح اليوم مشاورة و مشاركة النخب المستنيرة علما وثقافة ورجاحة لضمان قيادة رشيدة للجماعة تعوّض قصور القائد الفرد..

و تظل القيادة في أي جماعة أو مجتمع ضرورة أساسية سواء قامت على أسس اجتماعية أو مدنية فهي المرجعية التي تحفظ وحدة الجماعة حين تفقد الحكمة و تحيد عن الصواب. يمكن تمثل ذلك في امبراطور اليابان؛ أو ملك بريطانيا أو مرشد إيران أو رئيس المانيا ..

في ليبيا منذ تكوينها قام توافق الناس فيها على أسس اجتماعية . لم يرق تفكير الليبيين الى توافق على اسس مدنية. منظومة التعليم و التربية لم تفلح في تغيير تفكير الناس الى الأخذ بالأسباب المدنية لاختيار القادة، و لذلك ظل معيار القيادة يتأثر بالعامل الاجتماعي.

معظم البلاد الشرقية كذلك. حتى روسيا القوة العظمى لم تنجح في إقامة قيادتها على أسس مدنية خالصة و مثلها الصين أيضاً.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، آلت روسيا؛ مُكوِّنهُ الأساس؛ إلى الضعف و الهوان . لم تستطع القيادة المدنية المنتخبة فيها أن تستعيد قوتها إلى أن جاء بوتين. كان بين يدي بوتين و سابقَيه ذات المؤسسات التي تدير البلاد ؛ لكن لماذا نجح بوتين و فشل سابقاه؟

في الصين تقود اللجنة المركزية للحزب الماوي البلاد منذ أن صارت جمهورية، و هي من يقف وراء سرعة تقدمها و اكتسابها القوة . ماذا لو جرت انتخابات في الصين حسب المعايير المدنية؟ هل تظل الصين على قوتها؟ بل هل تظل الصين ؟

من الصعب؛ حتى الآن على الأقل؛ ان تقوم في المجتمعات الشرقية قيادة مستقرة يصنعها التداول. طبيعة العناد و المكابرة المغروسة في نفوس الشرقيين تقول ذلك.

معظم و ربما كل الحروب الأهلية في تلك المجتمعات أسبابها غياب القادة. لعل في ليبيا أوضح دليل على ذلك. عجز الليبيون في الخروج من مأزقهم بسبب غياب القيادة . لم تسعفهم المعايير المدنية التي يلهث ورائها نفر منهم في بناء قيادة تجمعهم؛ و لن تسعفهم.

حين تفقد المجتمعات قيادتها ليس لها من طريق إلّا اللجوء للعقل و الحكمة و الاجتماع و لو على الأكبر سنّا بينها حتى لو كان ذلك إلى حين ؛ و إن لم تفعل هذا فستظل تعيش الأسوأ المتعاقب إلى ان يظهر بينها من يجمعها بالقوة أو بالحكمة. لا شك أن القوة أجدى و امضى.