عفاف الفرجاني مشاركة المقال من خلال متابعتي لخطبة صلاة الجمعة الأولى من رمضان على بعض القنوات الفضائية الليبية، وصلت إلى قناعة بأن كل الخطب الدينية التي يتم تناولها لا ترتقي إلى الحالة الراهنة التي تعيشها بلادنا، حتى المُصلِّين وعبر كاميرات التلفزيون أصابتهم متلازمة الخطاب الديني النمطي التقليدي، وهذا ما يظهر جليا على وجوههم، فهذا الخطاب الكلاسيكي الذي عرفه المسلمون منذ قرون غابرة هو اليوم خطاب مستهلك بعد القفزات النوعية في تاريخ البشرية، فالمصلي في بلاد الحرب والقتل والعوز ليبيا يعرف ماهية الخطبة حتى قبل وصوله الجامع. ويعرف ما الذي سيقوله الخطيب وهو يختزل خطبته في نواقض الصلاة والصيام وغض البصر والقليل من الأدعية، والكثير من الدموع والصراخ. حتى أن المصلي بات يمقت تلك الخطب لأنه يفوق بمعرفته وعلمه ما يردده موظفو الأوقاف على المنابر، فكل ما يطرح من قضايا متكررة ولدت عنده الشعور بالملل والاستياء كونه عاش هذا التكرار منذ طفولته سواء في المدرسة أو البيت أو ضمن حياته الاجتماعية وعبر مراحل عمره. إن تكرر الجُمل والقصص التي رسخت في ذهن المواطن عن ظهر قلب أصبحت لا تخدم واقعه المرير الذي يعيشه والذي هو مليء بالقلق والخوف والتشتت، كنت وما زلت حريصة على السؤال: كيف تدار خطب الجمعة وخاصة في رمضان من قبل خطباء المساجد؟!! وخاصة في المناطق التي تكثر فيها الجرائم ومنها القتل والحرابة، دائما الإجابة المتوقعة.. خطب متكررة لا تخدم عقلية الشباب ولا تحرض كبار السن على أخذ دور الوعظ اجتماعيا.. فوزارة الأوقاف والشؤون الدينية هي الجهة المنوط بها انتقاء الخطباء، وعليها إلزام الخطباء باتباع برنامج توعوي ديني يسير على خطاه كل من يتم اختيارهم كخطباء للمساجد، وهذا اختصاص أصيل لوزارة الأوقاف، إلا أنه وعبر متابعتنا لهذه الخطب التي تنقل من أكثر من جامع، فجميعها معدة مسبقا، لا ابتكار فيها ولا تجديد يخدم الواقع المرير في البلاد، وهنا لا نستغرب عندما يكون مفتي الأوقاف هو عراب النيتو، وصديق المخابرات الإنجليزية، والإمام الوفي لموزة، وهكذا خطب تمول مشروعه التدميري للفكر المحلي في ليبيا، ومع هذا يبقى هناك الشرفاء من أئمة الجوامع وخطبائها نعول على أمانتهم ومسؤوليتهم في توعية المجتمع ولو كره مفتي الأوقاف وعصابته التي لا تعرف من المنابر إلا الدعوة للاقتتال ونشر الفتنة، إلى جانب نقاشها السنوي حول القضية (قطرة العين هل تنقض الصيام؟!!!) وشرب الماء أثناء الأذان يفطر العبد؟ المجتمع اليوم في حاجة إلى خطب تكشف زيف الخطب السياسية وتعري سراق المال العام، وتسلط الضوء على القتل وتحارب الرذيلة، المجتمع اليوم محتاج إلى خطاب ديني ينبذ العنف والاقتتال ويعرف شبابه بعقاب القانون في الدنيا قبل عقاب الله في الآخرة، الخطب الدينية لو لم تعتمد على قوة المضمون ومدى ملامستها للقضايا والمشاكل الراهنة التي يعانيها الناس، فلن تكون لها جدوى. على من يعتلي المنابر بالمساجد أن يتوقف عن دس أساليب ترغيب الناس في الجنة وتركهم لحياتهم تدمر، وكأن الأمر دعوة للزهد وترك أمور الحياة تسير بأيدٍ سوداء وكأن الدنيا وجدت عبثا، إن الأساليب العاطفية المستهلكة من ذرف الدموع أصبح الناس يدركون مدى تلونها، الليبيون محتاجون لوعي ديني مجتمعي قانوني ينظم الحياة الاجتماعية وسط هذه الفوضى التي لا تخدم إلا المفتي وذيوله.