المركزية الشعبية أو اللامركزية، حول توزيع الثروة والخدمات (( ج 1 ))

عقيلة الدلهوم
مشاركة المقال

إن مناداة البعض بضرورة الانتقال باللامركزية من فكرة جماهيريتها الشعبية إلى طرح ممارستها بشكل غير موجه، كسبيل لتقسيم موارد وجغرافية ليبيا في صورة عابثة أقرب إلى الخيانة الوطنية، لأن التفريط في سيادية الموارد، ومركزية المشروعات التنموية والخدمية الهامة في ظل البيئة الادارية والمالية والرقابية الحالية غير المنضبطة التى تفتقد إلى معايير تحدد أخلاقيات التنفيذ والتجارة وتقديم الخدمة التعليم والصحة والنقل والبريد ...، والاحتكار لتلك الخدمات أيضاً، وتحد من تأثير التشريعات والقوانين العامة التى تضبط العلاقة بين السلطات الحاكمة العليا والمحلية ضمن سياسة الاقتصاد المختلط الذى تمتزج فيه الصلاحيات لتعجز في ظروف بلادنا غير المستقرة على كل المستويات عن السير بشكل متوازي. لذلك فإن هكذا سلوك اقتصادي لن يخدم اقتصاد السوق والسياسة معاً، بقدر ما يُسهل للدول الاستعمارية وعملائها المرتزقة فرصة استنزاف الثروات، وارتهان سيادة البلاد. عن تطبيق اللامركزية فى الجماهيرية سابقاً ـ ما هي أسباب فشلها ولماذا تمت العودة إلى العمل عبر مركزة التنفيذ وتقديم الخدمات - ولماذا يجب عدم تكرار التجربة في نفس البيئة الإدارية والفنية. ثم ما هي خطورة الابتعاد كثيراً عن مفهوم اللامركزية الشعبية في جانبها السياسي والاقتصادي، بحيث نبحث عن نقيضها التام من زاوية الرفض للفكر، وإن كان ذلك الفكر عملياً، لو أحُسن تطبيقه، لنذهب مع هذا الرفض غير المُبرر إلى تنفيذ استراتيجية "استعمارية" مغلفة فى ثوب وطني زائف يرسم طريقها ذلك الملتقى العبثي الجامع " الستيفن غساني" ضمن اخراج لحكومة وصايته القادمة - والأهم ما هي اللامركزية التى يطرحها المُدعين للتميز بالخبرة الكافية في الرأي السياسي من بين العاملين في مطبخ رؤاه الحالية، بمعية الراعي الدولي الخبيث الذى يريد أن يكرر في ليبيا تجربة دولته بيروت، أو تجربة ولايات رفيقته في اللامركزية ، مع أن ليبيا تجاوزت لبنان وأميركا كثيراً في تطبيق هذا المفهوم في جانبي المشاركة في الحكم وتوزيع الثروة على الشعب. هذه حزمة من الأسئلة التى يجب الوقوف عندها بشكل موضوعي، والبحث عن اجاباتها، ولعلنا سنساهم معكم في ذلك التفسير من خلال السرد المخُتصر التالي:- تدعي دول الوصاية على مستقبل ليبيا عبر ممثليها "ستيفاني وليامز و غسان سلامه"، وكل السابقين لهما، وبمساعدة بعض الليبيين الذين قدموا انفسهم على أنهم خبراء في رسم استراتيجات الاقتصاد والسياسة عبر حالة من الركض في كل الاتجاهات بلا بوصلة وطنية محددة للاحداثيات الطريق نحو الاستقرار المجتمعي الحقيقي بكل صوره داخل مضمار ملوث بالأجندات المتعارضة التى تتبنى تنفيذها الدول الاستعمارية القديمة في بلادنا من خلال أداتها الطيعة المتمثلة في الأمم المتحدة. وهذا الأداء يكشف حجم الضعف فى الإدراك، والعجز عن تحقيق النجاح لدى هؤلاء الحاضرين لحوارات "الطرشان" السابقة واللاحقة التى رعتها الأمم المتحدة، والتى سوف تُسفر فى ما يسمى " الملتقى الجامع" المزمع عقده قريباً إلى نتيجة واحدة غايتها الرئيسية المتاجرة بمصير ليبيا وشعبها. فهذه الدول الاستعمارية عبر حكومات وصايتها المتتابعة، والتى تسمي آخرها زيفاً "الحكومة الوطنية الجامعة" أو المُجمع على اختيارها، وكأنها تُمثل فعلاُ إرادة الشعب الليبي، سوف تطرح تطبيق فكرة "اللامركزية" على طريقتها الخبيثة، بجوانبها الإدارية والمالية التى تخدم من خلالها مصالحها الضيقة، بينما تهدف بالمقابل دول الأمم المتحدة الاستعمارية نفسها إلى المركزية السياسية التى يخلط البعض المندفع نحوها بينها و بين المركزية الإدارية. فالمركزية السياسية تمثل عائقاً حقيقياُ أمام المشاركة السياسة، لأنها تدفع نحو تركيز السلطة في يد نخبة حاكمة، والتى هي ليست إلا خلطة ليبية غير متجانسة، وليست شرعية أيضاً، وستكون عاجزة عن حل الأزمة السياسية، لأنها منتقاة وفقاً لشروط ومعايير وضعها ممثلي الدول الاستعمارية في ليبيا "ستيفاني وليامز و غسان سلامه"، وستنتهي بتنصيب حكومة عميلة غصباً عن إرادة الشعب الليبي، للأسف، وبذلك يختفي الأمل فى التوجه نحو الحل الديموقراطي الانتخابي الأفضل من غيره نوعاً ما في حال توفر اشتراطاته السليمة. فالأمم المتحدة نفسها التى كانت تدعي ضرورة التوجه إلى المسار الديموقراطي عمدت أخير إلى تسفيه هذا الخيار، وعملت على تأخيره، واحتارت الأمم المتحدة كما حيرت الشعب الليبي معها بين أسبقية "الأمن الانتخابي أم الأمن الرئاسي" لحكومة الوصاية القادمة، ( البيضة أم الدجاجة أولاً)، وما أكثر بيض الأمم المتحدة ودجاجها. فالانتخابات صارت عند الأمم المتحدة داعمة للاستقرار، تأتي كنتيجة له وليست كمقدمة. وهو تنظير منطقي نوعاً ما، له أسبابه الموضوعية الحقيقية من جهة، وهي مسألة ليست بجديدة، فقد نبهنا كثيراً إلى ضرورة أن تقوم الأمم المتحدة بدورها القانوني، والأخلاقي أيضاً، عبر تهيئة مناخ شفاف آمن لتلك العملية الديموقراطية، لكن الأمم المتحدة أضاعت الجهد والوقت على حساب معاناة الشعب الليبي، ليس بالبحث عن ذلك المناخ المستقر، إنما بوجود بدائل تخدم مصالح الدول الاستعمارية التى تمتلك ارادة الأمم المتحدة وقراراتها. فخرج علينا مبعوثيها بخطوة متراجعة جداً بعد كل خطاباتهم الخادعة التى توقعنا معها بزوغ شمس الأمل الديموقراطي بعد حقبة سبع سنوات مليئة بكل أصناف الدكتاتورية المطلقة والعنف المسلح الميليشياوي والتمترس المتأسلم الإخواني الاقصائي ونظيره المتطرف التى تحكمت جميعها في مفاصل دولة جعلت منها فاشلة بكل المقاييس. وضاع مع هذه الخطوة الأممية ذلك التطلع الوطني للدولة المدنية تقوم تلك الدولة على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق و الواجبات، لتعلن الأمم المتحدة بعد كل ذلك المخاض عن رغبتها الجامحة في تنصيب "حكومة وصاية غير شرعية"، مفروضة غصباً قهراً على الشعب الليبي، لا تمثل ارادته حتى بالمفهوم الغربي للسلطة، ولن تخدم مصالحه في أقل مستوى من مستويات المصلحة العامة.