عقيلة الدلهوم مشاركة المقال هي عماد الدفاع عن أمن الدولة المدنية، ويتم تشكيل هذه القوة وتسليحها وتدريبها لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تضعها الدولة، أي السلطة الحاكمة. ويقع عليها بالدرجة الأولى حماية البلاد من الاعتداء الخارجي، والمحافظة على الحدود البرية والمياه الإقليمية، والمجال الجوي للبلاد، كما يتدخل الجيش أحيانًا في حالة فشل أجهزة الأمن المدنية في السيطرة على الأوضاع الأمنية داخل البلاد. فالجيش يتعامل مع شؤون الحرب والدفاع وتحقيق الأمن،وتتراوح مهمته بين شؤون عسكرية محضة، ومسائل أخرى يلعب فيها الجيش دور تكميلي، وليس رئيسي، مرتبط بتوفير الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد. أعلم أنني ركزت كثيراً على موضوع الجيش والسياسة، وأعلم أن هذا الدور هو قائم بشكل واضح في الدول الديمقراطية، أو مغلف في غير الديمقراطية، ولكن أمامنا حالة محددة ومهمة تعنينا هنا، ولا يجب القفز عليها، مهما كانت صورة الواقع في ليبيا،وهي مدى { تطلع الجيش إلى السياسة}، بمعناها الضيق، أي ممارسة الحكم والاستيلاء عليه، أو المشاركة فيه، ولو بشكل خفي، فتلك هي نقطة التخوف الكبير والحذر الشديد عند الكثيرين، والتى بالتوجه إلى تحديدها بوضوح سوف تنجلي معه الرؤية وتزول الضبابية، وتتسع القدرة على دعم الشعب لقواته المسلحة الموحدة. والجدير بالذكر، أنه حتى هذه اللحظة لم يصدر {بياناً} صريحًا من الجزء الأكبر من "الجيش"، ذلك الذى يحاصر العاصمة الرمزية للسلطة في ليبيا بشكل محدد في هذا الشأن، ليطمئن الشعب على مستقبله السياسي، وهذا يجعل من قادة هذا الجزء من مؤسسة "الجيش"، وليس مقاتليه افرادًا ومجموعات، فى مربع لا يختلف كثيرًاً عن غيره حول هذه المسألة المتأزمة في تداولها، والدافعة إلى الموت لأجلها. ليس هناك شكاً؛ في أن قيادة الجيش في الدول الديمقراطية غالباً ما تكون مُلمة بقضايا السياسة الخارجية والداخلية، وقادرة على إجراء تنبؤاتها وتوقعاتها، ولا شك في أن السلطة السياسية، غالبًا، ما تكون في حاجة ماسة لرؤية الجيش المتخصصة حول القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار بالبلاد، هذا عندما تكون القوات المسلحة جزءاً لا يتجزأ من مؤسسات ترسيخ السلطة بالمفهوم الديمقراطي، والذي على الأرجح، لم تتمتع به أغلب دول العالم الثالث، فعندما يخضع الجيش لتنفيذ استراتيجيات السلطة الحاكمة المُعبرة عن إرادة الناس ضمن أي مساحة متاحة للتعبير، تكتمل حلقات سيادة الدولة. في بلادي في هذا التوقيت الحرج والخطير، ربما يعتبر البعض أن هذا الحديث عن العلاقة بين الجيش والسياسة، ما هي إلا مسألة سابقة لأوانها، والحديث فيها مجرد ترف فكري أو عبث، لكنني أرى في هؤلاء ضمن هذا التقييم، ليسوا إلا عازفين على نوتات غير متناغمة ينتج عنها معزوفة نفاق لا تنسجم مع طبيعة العصر، ويعيشون بها خيبات الهزيمة، ويرون في أفقها النصر بالمقدمات، وليس بالنتائج. وأنا هنا لا أخاطب هؤلاء العاجزين، ولا اظنهم يعون أبعاد ما أكتبه، أو قد يأولونه إلى غير غايته، وربما الأنفع بهم تجاهله. وأنا لن أكون {زكاراً} كذلك {الموسيقار}،الذى أيقنت شخصياً، للأسف، أنه يعزف على الرصيف، ليرمي له المارة { البقشيش،Tips}، وقد اكتفى أخيراً بدور المراسل الذى ينقل لنا بأسلوبه التراتبي مجريات القتال، وكأنه يقود المعارك من غرف عملياتها، دون أن يهتم ببلوغ متابعيه إلى قناعة تدعم دوافعه بالانحياز إلى طرف دون أخر، ولا يتجمد عند تكرار فرضية الإرهاب والفساد والمليشيات، تلك التى تَعيها اي عجوز طاعنة في السن، أصابها الزهايمر، وتجمدت ذاكرتها عند آخر قصة كان قد رواها لها زوجها الهرم قبل أن يرحل عنها بسنوات. فالجميع في ليبيا صار يعلم الإرهاب، ثقافته ووسائله وممارساته، وكانوا قد وقعوا فعلا تحت وطأة قسوته، وأحكام سيفه بجز رؤوسهم بلا رحمة. ويعلمون كيف يُصنع الإرهاب، ومن صنعه فعلاً، وقد نسي هذا {الزكار أو الموسيقار} الذى جرنا الحديث لتناوله، وأمثاله، أن تحدي هذا الإرهاب، وأن فكرة تجفيف منابعه ظلت مختمرة في ذاكرة الشعب الليبي منذ ذلك الزمان الذي هتفوا فيه جميعاً مع قائدهم ضد بؤر تصديره إلى بلادنا، صارخين بقوة : { احنا ما يرهبنا الإرهاب، طز طز في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا}، فكان ذلك الهتاف بمثابة القذيفة الصائبة للهدف مع وجود مكافح الإرهاب بكل أنواعه، وعلى رأسه الإرهاب السياسي الاستبدادي، الشهيد معمر القذافي، ضد من فكروا بتمرير أجندته قبل عقود من العام 2011م، ثم ضد من جاءوا به في مؤامرة ذلك العام البائس. وما أخشاه اليوم، أن يتحول البعض إلى مجاراة الإرهاب بالعمل في مربعه أو بتجاهله، بسبب بعض الخطابات والأفكار العقيمة، المنحازة لمواجهته ضمن خطاب ضعيف، غير مكتمل، بواعثه كهوية أو ايدولوجية، أو شخصية انتقامية،أو نفعية ضيقة، دون أن يُميز أصحاب هذا الخطاب بين دوافع اللجوء إلى ممارسة ذلك { العنف غير المشروع}، والذي يجب أن ننبذه بقوة، ونصفه إرهابًا، لكن علينا أن نتعاطى مع بواعثه، بتشخيص موضوعي لدوافع من انحرفوا له، ومدى تفاوتها، تلك الدوافع التى لا تحمل جميعها في طياتها أفكاراً متطرفة، وإنما جاءت {كردات فعل} أي أشبه بسلوك { العناد} ضد خطاب إعلامي مستفز، غير مدروس، جهوي، برزت فيه رائحة الانتقام، وقدم نفسه على أنه الأكفأ والأقدر على ممارسة السلطة، وبهذا استغل الطرف الإرهابي الحقيقي الإخواني والمتطرف والمرتزق ذلك التقديم ، وبرز أمامنا شبح إرهاب من نوع جديد، ليس دموياً بشكل صريح، وليس خارجاً عن القانون بوضوح، بل متستر به، هو الإرهاب السياسي. عندما يستحوذ فرد أو مجموعة، أياً كانت خصوصيته، على السلطة خارج قنوات استلامها الديموقراطية، تلك القنوات التى لا يجب التحايل عليها، إما بأنه ظروفها غيرمهيئة، أو عبر خلع البزة العسكرية عند اقتراب مرحلة ممارسة العملية الديموقراطية الشعبية، لتعبر بذلك دكتاتورية مغلفة بدمقرطة مغشوشة، فهذا لا يمكن أن يستوعبه أو يتقبله الشعب الليبي الذى خاض تجربة سياسية شعبية مميزة، فمهما كانت غاية الفرد صادقة في مسألة تخليص الوطن من ربقة الإرهاب الحقيقي، فأنها ستتلاشى مصداقيتها بمجرد بلوع كرسي الحكم الاستبدادي. إن حالة استعراض قادة عسكريين أو مدنيين للخطاب الدافع إلى ممارسة العنف دون البحث عن سبل السلام، وحرصهم على امتلاك زمام الأمور تحت مبررات ضرورة تحرير الوطن، مع تركيز كبير على حجم الفساد والاختلاس و الامتهان للكرامة البشرية، دون أن يعي هؤلاء القادة أن كل تلك الصفات أصبحت مستشرية في ثقافة الليبيين، وأن الطريق إلى تنقية البيئة المجتمعية منها، تبدأ بإعلاء قيم المشاركة عند المواطنين، والتى يشعر فيها الفرد أن مصير الوطن سيكون رهيناً بإرادته، فلا يجب أن يصبح أي فرد ضامناً لذلك المصير، ولن يستحوذ عليه قادة في بزات مختلفة، تغير لونها وتفصيلها، من جلباب داعشي إلى تُقية الإخوان المتأسلمين، إلى صعلكة زعماء الميليشيات، لتنتهي عند استبداد من نوع آخر، فالمواطن الليبي لا يرفض السلام، ولا رغبة له في استمرار تلك الصراعات، لأنه دفع ثمنها، وهو ليس اخوانياً أو متطرفاً، ولا حتى باحث عن السلطة كثيراً ضمن معاناته التى وضعه الإرهاب بأنواعه فى بيئتها. لكننا، نحن النخب الواعية والمثقفة المخلصة يجب أن نحترم إرادتها الدفينة التى اسكتها صوت العنف المشروع وغيره، والذي يجد نفسه اليوم أمامها بين خياري القفز في فوهة أحد البركانين: {بركان الكرامة} أو {بركان الغضب }، الذين تتقاذف حمم الموت بينهما على سفح الأبرياء بين مهاجم للعاصمة الليبية، ومدافع عنها. لذلك وضعت نفسي ضمن هذه الأجزاء المتتابعة التى انشرها عبر هذا الفضاء الافتراضي، والتى قد لا يقرأها إلا القليل، لأنني أكتبها للتاريخ، كما ذكرت في المنشور الأول، في مساحة التركيز على جزئية بعض المفاهيم، كمفهوم الاحترافية العسكرية وطريقة توظيفها بالشكل الصحيح نحو مستويات ممارسة السلطة، ومفهوم السلطة الحاكمة، وماهية الجيش، وعن الوصاية والتبعية، والتحرير ومقتضياته،عن كل هذا وغيره، لكي يرسو قاربي في مرفأ الحق، وتقف مركبتي في مربع الإخلاص للوطن، الذى لا مجال فيه في ثقافتي لظهور مربعات أخرى نفعية بديلاً عنه، وما الحياة إلا وقفة عز بالوفاء للوطن. ولن أضع نفسي في قائمة {البعض } ،ممن أعرف دوافع مواقفهم، وأعي وسائلهم، وعلى اطلاع عن كثب على غاياتهم، أولئك الذين نصفهم بثعالب الثقافة الجماهيرية والحزبية، وما بينهما، والذين يتغنون بالديمقراطية، و يعزفون على أوتار أضدادها على سبيل التبرير والتملق، أو الخوف والإحباط، وهذا ما يمكن وصفه بـ ضياع البوصلة مع رحيل القبطان او اختفاء ترددات التوجيه نحو ميناء الوطن الحقيقي الذى نبحث عن جغرافيته السياسية، الذي علينا أن نقترب من ارصفته الآمنة، غير أن الذي يحز في النفس هو أن يستخدم هؤلاء أمنية التحرير وسيلة للمزايدة، وهم في أبعد عن ساحاته، وهم الذين تقلبوا بمواقفهم بين أجندات مختلفة بحجة التوظيف للمُتاح، بينما كان في وسعهم أن يصنعوا السبيل الحقيقي لبلوغ غاياتنا بالتحرير الحقيقي المباشر للوطن، وليس المرحلي، لكنهم هذا البعض فضل الجنوح نحو الارتقاء أو ربما الإنحدار ، عبر سلالم رأينا فيها أنها هشة متسوسة أخلاقياً ووطنياً. وأنه من الواجب تنقيتها من ذلك التسوس قبل أن تطالنا أعراضه، ولقد كان في وسعنا العمل على ذلك، بدلاً أن نُعلن اليوم على الملأ أن ظروف توحيد صفوفنا، وأفكارنا، ولملمة أطرافنا، كانت غاية في الصعوبة، أو أن الوقت قد حان الآن ، فقط، لتجميع قوانا، لنسير نحو الوطن، فالآن ، وبعد ماذا، بعد أن تعددت الطرق واختلفت المسارات، وقد رأينا من حزم حقائبه إلى الشرق، وآخر من شد رحاله إلى الغرب، بحثاً عن ماذا ...، هل عن المشروع الحقيقي لإنقاذ الوطن، أم عن الوطن تحت أي مشروع. وفي نهاية هذا الجزء الرابع من منشور موقفي في محطة الوطن، ونحن أمام تجديد لخطاب التحرير، التحرير من الدين المتشدد، التحرير من الخطاب التطرف، التحرير من العنف والإرهاب المتكرر، وحتى لا تستمر حالة الخصومة بين الوطن وأضداده الشاذة التى ذكرتها من الدين بما يحويه من التطرف والإرهاب. فيجب أن لا تنتقل القوات المسلحة العربية الليبية التى يجب أن يتوحد صفها، بقيادة وطنية مخلصة كفيلة يلتقي عليها أفرادها في كل انحاء بلادنا إلى مربع الأضداد للوطن بعد أن تُنجز مهمها بتحريره، وفقاً لمفهوم التحرير الحقيقي، واشتراطاته، فلا تضع نفسها في مربع طمع بعض قادتها بالحكم المُطلق، وإذا ما حدث ذلك، فأنها ستلتقي مع كل حركات التخوين والتكفير والاستتابة الدينية والسياسية والتأسلم والإفساد في قاسم ممارسة السلطة خارج حيزها الطبيعي، فمن غير الأخلاقي أن تمنح مؤسسة القوات المسلحة التى نتطلع إلى توحد صفوفها جائزة تحرير التراب الليبي، لتحظى بـاستعباد الشعب. في الجزء الأخير من موقفي في محطة الوطن سوف أتناول، ماذا يجب أن نفعل ليتحقق التحرير، وماذا علينا أن نصنع لنقترب كثيراً منه، مع كل هذا الارتباك في المشهد الأمني والسياسي عند الكثيرين. وسأنتهي بإذن الله إلى {موقفي الخاص} حول ما يحدث ، لأُغادر بعد ذلك هذا الفضاء الإفتراضي إلى أن تستقر الأمور على أحد الأرصفة، والتي أتمنى أن تكن الفرصة بينها للركون نحو الرصيف الآمن للجميع.