عقيلة الدلهوم مشاركة المقال وجود جيش ليبي موحد يقوم على أسس ومعايير وطنية وعالمية حقيقية، ويُعبر عن سيادة ليبيا، و تطلعات شعبها في تحقيق الأمن والأمان بمختلف أنواعه؛ هو غاية كل مواطن ليبي مخلص، ولا يعارض ذلك الأمل إلا مختل او خائن. وحلم وتمنيات عودة تلك المؤسسة الليبية المسلحة التى واجهت أكثر من 40 دولة قوية تمتلك أحدث انواع التكنولوجيا المدعوم بالسلاح والمال ومرتزقة المخابرات والقتل والعملاء، سيظل يراود الشعب الليبي العظيم. بل أن الجهود الحثيثة نحو تحقيق ذلك الأمل لم تتوقف أبدًا، ومهما كانت الدوافع، لكن يبدو أن أغلبها يصب في {جابية} أو بحيرة إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية. في الشرق الليبي، كانت قد اجتمعت نواة قيادته في عملية أطلق عليها "الكرامة"، وكانت هيكلتها وملاكها، وأسلوبها،أشبه بأي مليشيا من ميليشيات ليبيا، بل أن أفرادها انضموا قبل ذلك للقتال تحت سقف ميليشاويات، أو انهم كانوا قد اعتزلوا المؤسسة العسكرية مؤقتا. ومن البرلمان الشرقي بعد ذلك تم إضفاء الشرعية القانونية على "مليشيا الكرامة" ، ليصبح اسمها "الجيش الوطني الليبي"، وارتقى في سلم الرتب مع هذا الاعتراف " الضابط المتقاعد" خليفه حفتر، من زعيم "لمليشيا " الكرامة إلى القائد العام" للجيش الليبي برتبة مشير. {تجب الإشارة هنا إلى أن مسألة عودة الضباط المتقاعدين إلى الجيش، والذين تحولوا منذ عقود إلى "مقاولين و بزانسة وتجار، وسواقين تاكسي، وفارين إلى مراكز المخابرات العالمية"، هي ظاهرة اختصت بها نكبة 17فبراير. 2011م منذ يومها الأول}. وبدأ هذا المكون يعمل ضمن هيكلة مختلفة، وتمويل كبير من الميزانية العامة، وأتاح هذا التوصيف الوطني إلى تشجيع بعض من أفراد المؤسسة العسكرية "السابقة" إلى الإلتحاق بهذا المكون" المتجدد"، خصوصاً مع حجم المزايا، والتسويات الوظيفية للأفراد الملتحقين به. كما أن عامل التركيز على التدريب وإعادة التأهيل، وتخريج دفعات جديدة من الكلية العسكرية، أعاد إلى الذاكرة صورة المؤسسة العسكرية السابقة ضمن هذا الإطار العسكري الذي تبنى بشكل واضح إعادة بناء المؤسسة العسكرية من حيث النواحي الإدارية والفنية، على العكس من ذلك فشل المناظرين لهذا الجزء من الجيش في جنوب ووسط وغرب البلاد، والذين ينتمون إلى نفس المؤسسة العسكرية السابقة من إظهار ملامح النجاح في هذا الصدد، وظلت مظاهر المليشيات هي الغالبة في الحكم على طبيعة المكونات التى تمارس العنف في تلك الأجزاء. لقد عادت صورة القوات المسلحة الليبية من جديد في شرق ليبيا قبل غيره من أجزائها الممزقة سياسيًا، بسبب تهيأ الظروف، وخصوصية البنية التحتية والهيكلية العسكرية التى لم تتضرر كثيرًا في حرب 2011م، لأن الشرق الليبي انطلقت منه شرارة نكبة 17 فبراير ، وبالتالي لم تتعرض مؤسسة القوات المسلحة في هذا الجزء من البلاد إلى قصف وتدمير. كما أوضحت في أحد الأجزاء السابقة من هذا المقال. فالجيش الذي يتأسس من جديد في شرق ليبيا، والذي لا يتجزأ من المؤسسة العسكرية السابقة من حيث كادره وعقيدته العسكرية، لا يمكن اعتباره جيشاً عربياً ليبياً متكاملاً، فهو حتى أن اتسعت دائرته عبر توسعه الجغرافي من الشرق إلى الجنوب، ثم نحو بعض مدن الغرب في الحرب الأخيرة على العاصمة، يظل في حاجة إلى التحاق ذلك العدد الهائل من الجيش الليبي السابق المنتشر في المنطقة الوسطى والجنوبية والغربية، والذي يتجاوز قوامه {100000} عسكري او يزيد. ولن يكن جيشاً ممثلاً حقيقياً للبلاد إلا مع عودة أغلب ثكناته للعمل الفعلي تحت إشراف هيئة إدارة، تنظيمه الرئيسية في طرابلس العاصمة التي تأسست عليها القوات المسلحة العربية الليبية بعد سنة 1969م، ثم انضوت تحتها كل قطاعات الشعب المسلح، فصارت هيئة التنظيم والإدارة بالقوات المسلحة العربية الليبية، وسوف تظل هذه الهيئة هي الوعاء الجامع، والمرجعية الإدارية والفنية لهذه المؤسسة العسكرية العريقة، ولذلك لا جيش موحد في ليبيا بدون تفعيل تلك الهيئة، وفقاً للمعايير والضوابط العسكرية الوطنية السليمة. المعايير والضوابط: لا يمكن التأكيد على توفر المعايير الوطنية في الجيش الذي أعيد بناؤه في الجزء الشرقي من ليبيا، كما هو الأمر في ذلك الذي اجتمع شتاته في صورة جيوش ولاءها لمدن معينة في الغرب الليبي، فقد اشتكى الكثير من الجنود والضباط، في البداية على الأقل، من تفشي حالة من الجهوية والإقصاء الأيديولوجي، وعدم احترام التراتبية في المناصب العسكرية، وبرزت عيوب كثيرة، ليس المجال لذكرها. صفة القائد العام: هذه الصفة في جيش الرجمة، تقابلها نفس الصفة لجيش العاصمة، وصفة القائد الأعلى كذلك. وهذا، مع أنه مؤسف، فأنه يكفي للتدليل تجزأ مؤسسة الجيش القديمة إلى أجزاء . المناصرة الشعبية: ضرو ة الدعم الشعبي للجيش بقيادتي "الرجمة أو العاصمة"، هذه مسألة مهمة، وهذا الدعم يجب أن تكن غايته توحيد أجزاء هذه المؤسسة، تجمع أشلاءها، وإعادة الروح لها. والمناصرة الشعبية لأي جزء دون غيره تظل مسألة نسبية غير واضحة كثيراً، كما كانت عليه في معدل وضوحها قبل 2011م، عندما كانت القيادة في باب العزيزية تجتمع عليها كل وحدات الشعب المسلح في الجماهيرية. كما أن القوة العسكرية ليست مقياساً كافياً لتحديد التفوق والانتصار، إنما الدعم الشعبي هو السبيل إلى ذلك، وليس لأي طرف في الرجمة أو العاصمة أن يدعي أن الشعب يناصره في كل ربوع ليبيا بشكل صريح. إن حالة التأييد المرتبطة بالوجدان الشعبي وفقاً للظروف الحالية المتأزمة، تقوم على مدى قدرة أياً من الجيشين على تحقيق الانتصارات على الإرهاب بأقل خسائر، وتحقيق الاستقرار، وتسليم زمام الأمور للشعب، وإذا كان الشعب الليبي لا يقبل الاستمرار في الوقوع فى مستنقع تطاحنات الموت العبثي على الكراسي والحكم، واقتسام الثروات بطريقة غير وطنية وقانونية، فهذا الشعب سوف يقف بالطبع أخيراً إلى جانب ذلك الطرف الذى يُفصح عن نيته الصادقة، بأنه لن يقدم أبناء هذا الشعب إلى جحيم نيران المعارك حباً فى القتال أو رغبة في التسلط، إنما لكي يصل الشعب إلى الحكم بإرادته. أما مسألة التحرير كوسيلة، والقفز على نتائجها، فذلك سوف تتجدد معه حالة الصراع طال الزمان أو قصر، ولن يطفئ النفاق فتيل حريقها بعد ذلك. القيادة العسكرية : قيادتي الجيش في الرجمة أو العاصمة ، هما مخرجان فبرايريان، عملا معاً في الخندق التآمري الذي أدى إلى تقويض المؤسسة العسكرية العريقة السابقة، ولا يُمكن الجزم أن قيادة الجيش في الرجمة لا تلقى تأييداً شعبياً كاملاً، حتى لو بسطت سلطان قوتها المسلحة على الأرض، وهكذا الأمر لخصومها، فالأزمة التي قسمت البلاد، انقسمت معها مواقف الشعب، وتزعزت ثقته في مؤسسته العسكرية كما السياسية من قبلها، والشعب الليبي يعيش بكل أطيافه حالة صدمة تجاه مؤسسته العميقة، الجيش، ويفقد الأمل في مؤسسات ممارسة السلطة المدنية أيضاً. وبعيداً عن قيادات الجيش المتنازعة، تظل مسألة الحُب والدعم المنبعث، احساسه من ضمير الشعوب نحو جيوشها الوطنية أمرأً وطنياً أخلاقياً لا جدال فيه، ولا يمكن أن يقبل أي شعب تعدداً ثنائياً أو ثلاثياً في جيشه الوطني، ليصبح جيوشاً متفقة في غاياتها أو متعارضة. لكن حالة الرضا أو الولاء لقيادة عسكرية معينة يقوم على مجموعة من القيم الأخلاقية والوطنية الضابطة، والتي تلتقي مع الثوابت التى يؤمن بها الشعب نفسه، تلك التي لا تتبدل عند المؤمنين بها، مع أنها بكل ما تتسم به هذه القيم من سمات الثبات في الإخلاص للوطن والوفاء للتضحيات، يمكنها بالمقابل أن تتسامى لتصل إلى نظائرها من الصفح والتسامح والغفران عندما تجد القواسم المشتركة التى تستحق الالتقاء معها، لتعمل في قالب وطني واحد. الأفراد العسكريين في الجيشين التابع منهما للرجمة أو التابع للعاصمة، هم ليبيون، لا يمكن إضفاء صفة الوطنية على جزء منهم مقابل نزعها من الجزء الآخر. فهم يحملون العقيدة الواحدة التى قامت عليها المؤسسة العسكرية العريقة، ومن يحاول تصدير خطاب التشكيك فى عقيدة كل أجزاء المؤسسة العسكرية التى تفكك هيكلها، يكون قد بالغ في الإسفاف والتجني. الجيش والمليشيات : هذه الجزئية معقدة نوعاً ما، فجيش الرجمة قام على أخلاقيات مختلطة جمعت بين السلوك العسكري والمليشياوي معاً، ولا يمكن أن نؤكد أن المقاتلين اليوم حول العاصمة جميعهم عسكريين، فمنهم المتطوعين أيضاً، ومنهم من كان مقاتلاً ضمن مليشيات الشرق الليبي التى تأسست منذ 2011م، وثقافة هؤلاء لم تُغسل جيداً، ولا يمكن تنقيتها، وهذا القصور ظهرت صورته في أكثر من مقطع مرئي، فيه من التنافي مع أخلاقيات الجيوش ما يكفي للقول أن مؤسسة الجيش في ليبيا بكل أجزائها لا زالت ملوثة بسلوك المليشيات التى تقل معه الضوابط الأخلاقية. وكذلك الأمر بالنسبة لجيش العاصمة، فقد استشرت فيه كثيرًا أخلاقيات المليشيات بكل وضوح شكلاُ ومضموناً، بل أن الجيش القادم من الشرق يتصف بعنصر الانضباطية العسكرية بشكل أكبر بكثير من تلك المليشيات. والانضباطية أعني بها التراتبية والانصياع للأوامر، وليس الانضباطية فى جدوى اتخاذ قرار الحرب من عدمها، تلك التى تختص بها القيادة العليا لأي جيش، وليست الانضباطية مرتبطة كثيراً بالبزة العسكرية والتجهيزات القتالية فقط، إنما بسلوك المقاتل في المعركة. وقد رأينا اختفاءاً تدرجياً للطابع الميليشياوي في الجيش التابع للرجمة، على العكس من العاصمة التى تصدرتها المليشيات ببنطلونات الجنس و{شباشب الصبع}، لكن جيش الرجمة أيضاً لم يتطهر من مع بقاء ثقافة الجهوية، وعدم الالتزام بالضوابط العسكرية وأخلاقيات الجيوش الوطنية، بالشكل الأمثل، تلك التي تشير إلى ارتفاع معدل الروح الوطنية في فكر العسكري "النقي" الذي ترتسم فيه صورة الوطن بلا جغرافيا الأقاليم، وبلا انقسام حكومات السياسية، وبلا خيارات ايدولوجية، وهذا مرده إلى ضعف القائمين على إدارة التوجيه المعنوي لهؤلاء الأفراد، خصوصاً الجُدد منهم. وعدم القدرة على خاصية {الضبط والربط}، التي تظل هي المقياس المحدد لأخلاقيات أفراد الجيش ، والكشف عن التراكم السلوكي المليشياوي بينهم.