محمد محمد مشاركة المقال غادرت قسراً أسراب الطيور، وبكت دمًا الجدران العتيقة، وماتت علي أرضها أغصان الشجر، في مدينة كانت تضج بنبض الحياة، مفعمة بسلسبيل الود، متلألئة بأضواء الفرح، تتمايل كصبية غضة يغازل نسيم البحر جدائلها الساحرة، وتشتعل بوهج الجمال حين ينام القمر على أكتافها. هجرت أزقتها وداعة الطيبيين حين يلقى المساء عباءته على أطرافها، وصمتت في الثلث الأخير دعوات الصالحين بصعود فلول التتار على مأذنها، وضاعت تمتمة الجدات بعذب الحكايا في سكون ليلها الذي أخترقه السكارى بمعتق بقايا سياط الجلادين، وماتت ضحكات البراءة التي كانت تسرق القلوب جنونا في صباحاتها البواكر حين داستها أقدام الصليب. كانت تنام على ذلك الرصيد الضارب في عمق التاريخ ، المرصع بحجارة الأغريق ، ودروب الصحابة، وقوافل الفاتحين، وسنابك خيل المختار، وهدير صاحب الحق اليقين. فأضحت بقايا ركام، وأثار دم، وصخب ردة، وصدى خوف، وعبرات أنين . الكل يجمع بأن ذلك الحضور المهيب ضيعه بائعي الذمم على أرصفة عواصم الضباب، وتلك القامة السامقة كسر ظهرها عقوق الأبناء التائهين في هوامش التاريخ، وذلك المجد الرفيع شوهته قطعان الردة الراقصة على الثرى المقدس، وذلك الجمال البديع حطمته الأيادي الأثمة. وهي تصرخ دون مجيب، منذ أقامت الحداد على فتية أمنوا بربهم، وقدموا أرواحهم قربان لعيونها، وسقطوا على مداخلها بطعنات أخوة يوسف. فمن يعيد للأمين حقه، وللبيان صوته، وللعهد ميثاقه، وللجهاد شرعه، وللعروبة نصبها الخالد، ومن يمسح آثار أقدام الشيطان التي داست على كل كرامة ، وأغتصبت كل حق، وشوهت كل تاريخ، وكفرت كل إجلاء، وأسقطت كل راية . الجدران في صمت رهيب تتساقط بدون مراسم وداع واحدا تلو الأخر، والجموع تائهة بين طوابير المقابر الباكية، ونوافذ الخزائن الفارغة، وزخات الرصاص الماكرة، وبقايا الجثث المقيدة ضد مجهول، والخيانة وسط الضجيج جعلت غواية الكرسي كعجل السامري أثمن من أوسمة التاريخ، والعبث طال كل المحطات الجميلة المنقوشة في ثنايا الذاكرة، والشعارات الخادعة أقامت جدار عازل أمام وخزات الوعي وصحوة الضمير، والأحقاد الكامنة أعمت البصائر عن حجم الإثام والذنوب، وإعلام رؤوس المال أغرقت العامة بالجدل العقيم، وتبقى الحقيقة المرة حبيسة الأزقة الطاهرة والقلوب الصادقة حتى بيان قدس أخر ينقذ حسناء المتوسط من أيادي العابثين والواهمين والضالين.