عمرو محمد مشاركة المقال بدأت بإكتشاف الحرف وأنا طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر ... مع قلم القصب والصّمق أو المداد ... ذلك السائل الأسود برائحته المميّزة والذي يلتصق باللوح كوشم بدائي... إنبهرت وتعجبت أن للحروف صوتا محدّدا .. ولكل منهم صوت فريدا منفردا.. فتلك العصا الواقفة وفوق رأسها شبه كاسكيت أ صوت قراءتها يشبه الصوت الصادر من حناجرنا عند الألم ... والأعجب والأغرب تلك العصا النائمة على السطر ومعكوفة من جهتين فتتغيّر أصواتها حسب وضع النقاط ... فإذا كانت النقطة أسفلها ب فصوت تهجّيها يشبه أول صوت يصدر من طفل رضيع... ويتغيّر الصوت كثيرا إذا أضفنا نقطة أخرى من الأسفل ... ونفس العصا تتغير أحوالها إذا أضفنا نقطة من فوق فتتحول الى صوت النحل... وتضاف النقاط مثنى وثلاث ... ومع كل نقطة يتغير الصوت وأنبهر وكأنني طفل في محل حلويات... يتذوق من كل صنف ... وأكتشفت ثمانية وعشرون صوتا مختلفا ... ومع رحلتي تلك بدأت أستكشف عالما جديدا مع تركيب الحروف مع بعضها جماعات وفرادى ... محل صائغ ذهب وفيروز وألماس وأحجار كريمة أحجاما ونماذجا فريدة ... وولجت الى العالم السحري حيث الجنّيات وحيث تستحيل الحروف الى صور وألوان ... عالم يتجسد فيه الخيال الى شيء ملموس والحلم الى شيء ملموس ... فإذا أخذنا أربعة أحرف متنافرة وإصطفت مثلا العصا الواقفة مع العصا النائمة على السطر بنقطة يتيمة تحتها وأضفنا لها توأمها ذات النقطتين وفي آخرها الحرف ذو البطن وفوقه نقطة ض فستصبح المجموعة لونا مطابق لهذا اللون الذي أغمره بالسواد ... أبيض ومن هذا المنطلق تعلمت أنّ الكلمات تصبح لونا ... فعندما أقرأ أخضر ينطلق تفكيري مباشرة الى رايتنا الخضراء ومهابتها وهيبتها ... وعندما تمرّ من أمام أنظاري كلمة أحمر فيخطر ببالي ثورا يطارد خرقة بذلك اللون، والجمهور مستمتع ولا يعلم أنّ الثور لا يرى الألوان وأنّ تلك الخرقة من أجله ولشدّه!! ومن ثَمٌ تطور تعاملي مع صوغ الحروف فكلمة غزالة تتجسد في عقلي صورة لحيوان أنيق بعينين تنافس عينيّ حبيبتي حجما وجمالا ... وأصبحت الكلمات تحمل ألوانا وصورا ... وأبدعت اللغة وإنتشيت ببلاغتها فمن خلال كلمات بسيطة جدا تجسدت لنا لوحة تزخر صورا وألوانا : وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت - وردا وعضّت على العنّاب بالبرَد فببيت شعر يتيم نرى وبكل وضوح إحدى الجميلات وهي تبكي عوض الدموع لؤلؤا ... وليس لؤلؤا عاديا قاسيا بل لؤلؤا من نرجس فسقت الورد وهنا الورد كناية عن خدودها والعنّاب شفاهها الحمراء والبرد هو ما نطلق عليه بلهجتنا التبروري يعني أسنانها ببياض الثلج ... وسنلاحظ أنّ البيت أصبح لوحة لا يستطيع أي رسام مهما كانت براعته أن يجعلها تزخر ألوانا حمراء ووردية وأبيض وصورة لفاتنة تبكي من خلال ضربتين أو ثلاث من فرشاته كما فعلت اللغة ...يعجز بيكاسو ورامبرنت ... وسنأخذ لوحة ربما كانت أجمل جسّدها لنا شاعر أعمى وأجزم أنه وصل ببعض حروف لحد العبقرية ... تأملوا كلمات بشار بن برد : بأبي والله ما أحسنه - دمع عين يغسل الكحل قطر فهل قفزت الصورة الخلّابة أمام ناظريكم لفتاة ضربتها والدتها وكيف ساح الكحل من عينيها بعد أن غسله الدمع وروعة تلك الصورة ؟؟؟ نهر أسود يجري من عين يخترق سفوح وجنة ... وتطور الأمر معي وأصبح أكثر جمالا وعذوبة وكان عطاء اللغة حاتميا وإعجازيا وتجسدت الحروف صورا وألوانا وموسيقى. ومع تموسق الكلمات إزدادت الروعة وخرج علينا مظهرا جديدا من اللغة يُقال له الشعر. والشعر يُشابه تراصف كتيبة في إستعراض عسكري في تناسق وتناغم وتراصف ... كلمات تسير في كراديس بإنضباط ونسق !! تصاحبها جوقة موسيقى عسكرية تمر أمام منصة يقف فيها القائد رافعا قبضته متحديا!!