للمصالحة قواعد

محمد العماري
مشاركة المقال

 في زمن يعلو فيه طنين البعوض وزمار النعام، تجيش فيه أنفس الحزانى كتماً، وتتلاقى عيون البسطاء منكسرة، في تساؤل مرعوب وبلا كلام، يأكلون خبزهم قفاراً إذا وجدوه، يتجمعون حول أكوام المكابس يبحثون عن المغاليق، وتحت النخل يلتقطون الغرقي .. يسرى السخط مكتوماً والغضب مكبوتاً، يزلزلان جبال الصبر الشاهقة .. يرتعبون من قراطيس اليهود والنصارى التي يخبئها الغد،  إلى متى هذا الرعب؟ متى يرفع الذل ردائه؟، متى يغادرنا ذاك الهوان؟.

   منذ أشهر وربما بالسنين نسمع بالمصالحة وبقدوم الخير، متى تتضح نوايا المصالحة المطروحة تدحرجا بين مبعوثي الأمم المتحدة؟ فهل هي كما المصالحة بين ذي القرنين مع الملك الظالم؟، أم هي كما مصالحة ملك الشام مع الملك بختنصر؟، في كل مرة ننتظر المبعوث الأممي لعله يأتينا بخبر أو جذوة من النار، وفي نهاية مهمته تعتلي وجوهنا غبرة ترهقا قترةٌ بعد قترةٍ.. ألمْ نكن أفرطنا في مسلسل التنازلات بلا حدود؟ وبلا مقابل في هرطقة المصالحة؟.

   بغض النظر عن التعبير بالمخمصة او المشكلة أو الإشكالية، فالكل يعاني مصائب الأزمة والكل مضروب بعصا واحدة، بما في ذلك آل فبراير في الداخل وفي الخارج، المعاناة أصبحت سياسية واجتماعية ومادية ونفسية، الدعوة للمصالحة الآن هي دعوة اضطرارية، يفرضها الواقع وربما غصباً عن المعقول، المريح أن التاريخَ سيجعلها دعوَى مسجَّلَة ضد معلوم، ومن لا يحتكم إلى الحقيقة فإن القول الفصل يعرفه الليبيون، إحكام العقل تؤخذ في الوضع الطبيعي وليس الاستثنائي، الليبيون أُسْتِفْئُوا عام 1977 في مؤتمراتهم الشعبية الأساسية، وأصدروا قرارهم في سبها بأن يكونوا أسيادا، ما حصل عام 2011 هو اعتداء على الوطن وعلى الشرعية بلا برهنة، وعليه قبل الحديث عن المصالحة يجب وضع أسس لبرنامج المصالحة، ولكن قبل كل ذلك يجب أن يعتذر المُعْتدِي أولاً، وان يكون ملتزماً وقادراً بالوفاء لمستحقات المُعتَدَى عليه، سيادياً ومادياً ومعنوياً.

   آل فبراير هم الملزمون بالبحث عن المصالحة، لأنهم هم المعتدون وهم المذنبون وهم الأكثر خسارة اليوم وغداً، نحن لم نستعن بحلف الناتو ليقتلُ أبناءنا وليدمرُ بلادنا، نحن لم نغز ورفلة ولم نقتل  ألاف من جيشنا البطل، ولم نكن قتلةٌ لأهلنا في ماجر، لم نقتلهم في غرغور ولا في القربوللي ولا في سوق الخميس، لم نذبح أهل سرت في مزارعهم وفي بيوتهم، لم ننتقم من أهل سبها في مؤامرة خسيسة ولم نغتل رجالا يسعون لكلمة سواء بين ذوي البين.. إذن من القاتل؟ ومَنْ المُشَرِّد لليبيين؟ ومَنْ المُدمِّرُ لبلادنا؟ من نشر الفوضى؟ .. من يعوِّضُ الذين سُرِقَتْ مزارعهم وبيوتهم ومتاجرهم وأموالهم ومصانعهم؟، من سيعالج الجيل ما بعد 2011 المعَرَّضُ للهلاك النفسي والتعليمي والوظيفي؟ هل سيتلوا بعد حينٍ مصطلح الدعوة للصفح بعد المصالحة؟.

   أي ذنب ارتكبته القديسة صفية فركاش؟ لتفقد زوجها وأبنائها وهم يتصدون لعدوان الناتو علينا .. هل قتلتْ؟، هل ذبحتْ؟ هل سرقتْ؟ هل تخابرتْ مع قطر أو مع رئيس الموساد أو مع الناتو؟، أي ذنب ارتكبته عائشة القذافي؟ حتى تمنع من دخول بلادها؟، هل أدخلت القناطير المقنطرة من حبوب الهلوسة إلى ليبيا؟ هل قامت بتعييب سفينة في البحر تحمل السلاح إلى الثوار؟ هل قادة هجوما مسلحاً يدمر مطار طرابلس المدني؟، ما هو الجرم الذي ارتكبه أستاذ التاريخ أبوزيد دوردة؟، حتى يحكم عليه بالعيش بين أربعة جذران مصفود اليدين وهو في أرذل عمره بعيدا عن أبنائه وزوجته.

  إنا لست ضد المصالحة ولن أكون .. أنا ضد مصالحة باهتة تنقص من كرامتنا، ضد مصالحة فيها العيش تحت سياط قوانين (كلمة قانون ليست عربية) الأمم المتحدة، أنا مع مصالحة لا يهمش فيها من له موقف سياسي أو رأي فكري، مع مصالحة تُرَدُّ فيها الحقوق لأصحابها، مع مصالحة تجمع الليبيين في نظام سياسي يكفل الحرية بلا شروط ولا ألوان مستوردة.