عندما يتحدث السفهاء

عفاف الفرجاني
مشاركة المقال

ليس من العدل والانصاف وبعد هذا الكم من الأرواح التي أزهقت من الليبيين زهاء أكثر من عقد من الزمان، تقاسم غنائم الوطن على مائدة مدينة أعقل مجانينها يحكمنا، فبين متسلقي الساعة الأخيرة وحكام الساعات الأولى ينحر وطن، تعانق المنتصرون على نفس المائدة، واختلفوا على الغنيمة، وحدهم المتفرجون هناك من لم يحظ إلا بعمر هارب، وأحلام ضائعة، والباقي يقدس المفسدين، ويهلل للمتسلقين. 
كل هذا يحصل على رفات من ماتوا حتى لا يأتي هذا اليوم، عندما سلم البعض أن المجازر ما هي إلا ضريبة، وأن الانبطاح ما هو إلا دبلوماسية، وأن العمالة غاية، لا تنتظروا بعدها أن السماء ستمطر ولا الشمس ستشرق ولا الأرض ستزهر، في كل شبر في بلادي هناك قصة وجع، لروح سقطت، ظنت أنها مفتاح ينير عتمة، لكنها لم تغدُ سوى ذكرى منسية طوت صفحتها لكتاب داسته أحذية غاز عابر، مات الليبيون ليعيشوا على أنقاضهم نجوم المنابر، بعض الليبيين اليوم حتى الأحياء منهم هم شهداء الصفقة، والباقي في حالة نشوة اقتسام الثروة عمرها من عمر النكبة، لا تنتظر أن تنام لتستيقظ وتجد وطنا حرا ينتظرك، ستجد نفسك ميتا فالموت ألوان، وكل واحد يموت على طريقته، هناك من يموت ظلما وقهرا وعسفا، وهناك من يموت جوعا، وهناك من يموت غربة، وهناك من يموت حسرة.
في أي معركة هناك خاسر ورابح، إلا أن أوجع المعارك هي التي غنائمها أوطان تمزق وتقسم شقفه لمن باع أكثر، يخرجون علينا بخطب هوجاء يتبرزون على العمالة من اقتياد أكثر ومن انبطاح أطول، يتقيؤون علينا بعبارات الارتهان لعقلية القطيع التي لا تسأل عن وجهتها، لم نعد نسمع من حكامنا الجدد إلا اتهامات وتراشقا في موسم التصريحات الخرقاء الواهية لتزيد سرعة رياح الفوضى في وطن لم ينقصه إلا (تلقيح المعاني) بين ساسته.
إن عمق الأزمة السياسية في ليبيا ازداد بسبب عبث المغمورين وسياسيو الصدفة، مما ساهم في الابتعاد قضايا الوطن الاساسية والذهاب إلى ما هو أتفه لإشغال الرأي العام به، نحن أمام محك الكل فيه من جهته الفاعلة يستطيع أن يقول لا لهذا الهرج، معتوهو السياسة اليوم يحاولون أن يعطوا تأويلا لديمقراطية هندست لأول مرة مفادها الإسفاف ليصبح منهجا سرياليا للحكم، قد لا تستطيعون في الوقت الراهن أن توقفوا هذه المهازل التي تبث على الهواء مباشرة، ولكن تستطيعون رفضها وإدراجها خارج مادة السخرية، ووضعها في خانة الاستهتار بعقلية المواطن الليبي والاستهانة به، وعندها سيعرف هؤلاء السفهاء أن العوز مادي وليس فكريا.