جاء السيل.. ورحلت مدينة

عفاف الفرجاني
مشاركة المقال

مدينة درنة، مدينة الصحابة التي لا يوجد بها إلا مدخل واحد مطل على الجهة الشرقية تجرفها السيول وتجرف معها حياة كاملة، جرفت الأطفال وجرفت الدواب وجرفت معها البهجة، لقد اختفت مدن برجالها ونسائها، سيول درنة جعلت فساد الحكومات يطفح فوق جثث الضحايا ليعري الوجه الحقيقي للمجرمين وعباد المال، قد تظهر الكارثة أنها بيئية، ولكن الكارثة في حقيقتها كارثة إهمال وتسيب وإهدار للمال العام.

إن عدم الاستقرار السياسي والتدخل الخارجي مع تغيير الحكومات أدى إلى المزيد من الفوضى والتسيب، لم تلتفت أي جهة مخولة باستجلاب شركات أجنبية تقوم بالإشراف وصيانة السدود في ليبيا والتي كانت قد بنيت على يد أكبر شركات يوغسلافيا في بدايات السبعينيات من القرن الماضي.

قد تم إهمال المنشآت المهمة وعلى رأسها السدود، والتي تعد من أخطر المنشآت فتكا لو انهارت، انهيار السد ليس بالأمر المفاجئ خاصة للإخوة المهندسين الذين ظلوا ينبهون لكارثة وشيكة، فهناك دراسة علمية نشرت 2022 حذرت من كارثة ستحصل في المناطق القريبة من حوض وادي درنة، هذا وقد سبقها منذ سنوات طويلة تقارير تحذر من انهيار السد في حال وجود أعاصير، وفعلا تم التعاقد مع شركة تركية لمواصلة أعمال الصيانة في 2010 إلا أن عمل الشركة توقف في أحداث فبراير ليستأنف بعدها، إلا أن الإهمال وسوء الإدارة جعلا ملف صيانة السدود حبيس الأدراج ونفاد السيولة، كل هذا لم يحسب لكارثة إنسانية راح ضحيتها أكثر من 11 ألف شهيد و10 آلاف مفقود، غير المصابين، والمضطربين نفسيا، وغير الخسائر في الدواب، هذا السد الذي بني للسيطرة على الفيضانات التي تتدفق عبر الوادي الجاف خلال فترات ندرة الأمطار قديما، لم يكن مصمما لمواجهة إعصار بحجم دانيال، لقد صمم السد حسب ما وصفه موقع "غلوبال سيكيريتي" للاستجابة للظروف المناخية عندما كانت الأمطار فيها قليلة مقارنة بالآن، فالأمطار في السبعينيات والثمانينيات التي نعرفها غير التي تهطل في بداية الألفية الجديدة، فالتغيرات المناخية كانت تستوجب الوقوف عند ملف السدود كأول استحقاق للبنية التحتية خاصة في مدن جبلية مثل درنة، فقد لعبت سدود درنة دورا محوريا في تقليل الخسائر خلال عدة فيضانات عرفتها البلاد، أبرزها سيول 1968، 1986. تلك السدود الصماء التي واجهت الأمطار ومنعت السيول من تدمير مدننا الحبيبة، اليوم حالة الفساد وسوء الإدارة والإهمال جعلت من مدينة درنة مدينة للأحزان والفقد.

السدود في ليبيا تصل إلـى 16 سدا، جلها تعاني نفس المشكلة، وعلى مدى أعوام، فالحالة السياسية ومنذ عام 2011 ساهمت في تفاقم الأزمات، لم تأت حكومة مركزية وطنية تهمها ليبيا وأمن وسلامة مواطنيها، بل الجميع ودون استثناء حرصوا على إبداء مصالحهم على مصلحة الوطن.

اليوم النائب العام بدأ في التحقيقات في كارثة انهيار سدّي وادي درنة، مع التعهد بملاحقة المرتكبين ومساءلة السلطات المتعاقبة….. الخ.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه أين ديوان المحاسبة؟ وأين كانت الأجهزة الرقابية طيلة هذه السنوات لتكتب تقاريرها ويتم إحالتها إلى النائب العام؟ كل ما يفعل الآن ليس مجديا بعد الكارثة، وفي تقديري الشخصي كله امتصاص لغضب الشعب ومنعا لاحتقانه لأنه قال كلمته لا شرقية ولا غربية بل ليبيا وحدة واحدة، الجميع يتألم دون استثناء، فالصحيح والذي كان من الضروري فعله هو تقديم استقالة كل من رئيس ديوان المحاسبة ورئيس الرقابة الإدارية، واستقالة الحكومتين وترك زمام الأمور للقوات المسلحة لحين تشكيل حكومة جديدة تكون فيها كارثة درنة عنوانا للتغيير.