الفرار إلى جهنم..بقلم القائد معمر القذافي

القائد معمر القذافي
مشاركة المقال

ما أقسى البشر عندما يطغون جماعيًا..!! ياله من سيل عرم لا يرحم من أمامه!! فلا يسمع صراخة.. ولايمد له يده عندما يستجديه وهو يستغيث.. بل يدفعه أمامه في غير اكتراث!

 إن طغيان الفرد أهون أنواع الطغيان، فهو فرد في كل حال.. تزيله الجماعة، ويزيله حتى فرد تافه بوسيلة ما.. أما طغيان الجموع، فهو أشد صنوف الطغيان، فمن يقف أمام التيار الجارف!؟.. والقوة الشاملة العمياء!؟. كم أحب حرية الجموع، وانطلاقها بلا سيد وقد كسرت أصفادها، وزغردت وغنت بعد التأوه والعناء، ولكنى كم أخشاها وأتوجس منها!!

 إني أحب الجموع كما أحب أبى، وأخشاها كما أخشاه، من يستطيع في مجتمع بدوي بلا حكومة أن يمنع انتقام أب من أحد أبنائه؟.. نعم كم يحبونه..!! وكم يخشونه في ذات الوقت..!! هكذا أحب الجموع وأخشاها كما أحب أبى وأخشاه. كم هي عطوفة في لحظة السرور، فتحمل أبناءها على أعناقها..!! فقد حملت(هانيبال) و(باركليز).. و(سافونارولا) و(داونتون).. و(روبسبير).. و(موسيلينى) و(نيكسون) وكم هي قاسية في لحظة الغضب!! فتآمرت على (هانيبال) وجرعته السم، وأحرقت(سافونارولا) على السفود.. وقدمت بطلها (داونتون) للمقصلة.. وحطمت فكي (روبسبير) خطيبها المحبوب.. وجرجرت جثة(موسيلينى) في الشوارع.. وتفت على وجه(نيكسون) وهو يغادر البيت الأبيض بعد أن أدخلته فيه وهي تصفق!!

 يا للهول!! من يخاطب الذات اللاشاعرة كي تشعر!؟.. من يناقش عقلًا جماعيًا غير مجسد في أي فرد؟ من يمسك يد الملايين!؟ من يسمع مليون كلمة من مليون فم في وقت واحد!؟.. من في هذا الطغيان الشامل يتفاهم مع من!؟.. ومن يلوم من!؟.. ومن المن ذاته!!؟ أمام هذا اللهيب الاجماعي الذي يحرق ظهري.. أمام مجتمع يحبك ولا يرحمك.. أمام أناس يعرفون ما يريدون من الفرد، ولا يأبهون لما يريده الفرد منهم.. يفهمون حقوقهم عليك.. ولا يفهمون واجبهم نحوك.. أمام نفس الجموع التي سممت(هانيبال)، وأحرقت(سافونارولا)، وهشمت رأس(روبسبير)، والتي أحبتك دون أن تخصص لك حتى كرسيًا في دار خيالة، أو منضدة في مقهى.. تحبك دون أن تعبر عن ذلك بشيء مادي بسيط ككرسي، أو منضدة في مقهى.. هذا ما فعلته وتفعله الجموع بمثل هؤلاء.

فبماذا أطمع أنا- البدوي الفقير التائه- في مدينة عصرية مجنونة.. أهلها ينهشونني كلما وجدونى: ابن لنا بيتا غير هذا.. امدد لنا خطأ أرفع من ذلك.. ارصف لنا طريقا في البحر.. ازرع لنا حديقة.. اصطد لنا حوتا.. اكتب لنا تعويذة.. اعقد لنا قرانًا.. اقتل لنا كلبا.. اشتر لنا هرا!!.

بدوي فقير تائه لا يحمل حتى شهادة الميلاد.. عصاه على كتفيه.. لا يقف أمام الإشارة الحمراء.. ويخاصم الشرطي ولا يخشاه، ويأكل بلا غسل يديه.. ويطب ما يعوقه في سيره برجله حتى ولو أصاب به واجهة متجر زجاج.. أو وقع على وجه عجوز شمطاء.. أو حطم نافذة بيت أبيض جميل، لا يعرف طعم الكحول ولا حتى (البيبسى كولا) أو (الصودا).. يبحث عن ناقة في ميدان الشهداء.. وفرس في الساحة الخضراء.. ويحوش الغنم من ميدان الشجرة . هذه الجموع التي لاترحم حتى منقذيها، أحس أنها تلاحقني.. تحرقني.. حتى وهي تصفق أحس أنها تطرق.. أنا بدوي أمي، لا أعرف حتى صنعة الزواق، ولا أعرف حتى معنى المجاري.. وأشرب ماء المطر وماء البئربكلتا يدي.. وأصفي يرقات الضفادع بطرف عباءتي، ولا أتقن السباحة، لا على بطني، ولا على ظهري، ولا أعرف شكل النقود.. ولكن كل من يقابلني يطلب منى شيئًا من تلك الأشياء.. فأنا لا أملكها في الحقيقة، ولكن خطفتها من أيدي اللصوص، ومن أفواه الفئران، ومن أنياب الكلاب، ووزعتها على أهل المدينة باسم فاعل خير قادم من الصحراء، بوصفي محرر عقود وأصفاد، إن ما سرقته المخالب وأفسدته- أحدهم رفيق أهل الكهف والجرذان- يحتاج إلى وقت طويل، وجهد أكثر من فرد.

 ولكن أهل المدينة العصرية المجنونة يطلبونه منى في الحال، وشعرت بأني أنا الوحيد الذي لا أملك شيئا، ولهذا لم أطلب مثلهم"سمكريا"و"اسطي" وزواقا.. وحلاقا.. الخ، وحيث أني لم أطلب ؛لأني لا أملك، فصار وضعي متميزًا.. بل شاذًا؛ولهذا تعرضت وأتعرض في كل ساعة تقريبًا لهذه المضايقات، ولكن لا أنكر أني أنا أيضا ساهمت في ذلك.. وظلمت نفسي، فأنا سرقت عصا موسى، وضربت بها الصحراء، فانفجر نبع، لأني لا أعرف- كما قلت المجارى، و(السمكرة)، والشبكات الضيقة، وطالبت بأن يريحنى هذا النبع من هذه الطلبات وأسبابها، فحتى تمردي على الشرطي نشر موجة من الاستهتار في المدينة كلها، وسمعوا باسمى، وبعضهم صفق لي، وبعضهم شتمني، وشرطة النجدة تريد أن تتخلص منى.. وعجوز كانت أما للشرطي تصابت، وطمعت في، وعندما رفضت حاولت أن تخلق لي مشاكل.. وقد يحاربونني بكلاب الشرطة الغبية.. وأنا الذي شجعتهم على أكل الحوت وصيده، حتى يتركوا لي شياهي.. إنسان بسيط.. وفقير.. لست من سلالة ملكية، بل من سلالة بدوية، ولا أحمل شهادة دكتوراه.. فلا أحب الطبيب، لأنهم يسمونه دكتورا!! ولهذا لم يتمكن من تطعيمي ضد الحساسية، فأنا حساس جدًا، خلافًا لأهل المدينة الذين تم تطعيمهم منذ زمان بعيد، وعلى جرعات تاريخية من أيام الرومان إلى الترك وأخيرا(الميلكان).

وأنا كما تقرءون وتضحكون،لاأنطق مثلكم كلمة(الأمريكان)أو(الأمريكيين )(بالراء)، بل أنطقها باللام، لأن لا أعرف معنى أميركا، فالذي اكتشفها ليس(كولومبوس)، بل أمير عربي، ولكن هي تملك القوة.. وتملك العملاء..وتملك القواعد في مناطق النفوذ.. وتملك حق النقض لمصلحة الإسرائيليين، وملكت أخيرًا بيتًا عند نقطة تفرع فرعى دمياط ورشيد .. وحوله مزرعة جاموس فهي إمبريالية، إذن هي(أميلكا)، هكذا قال الحاج مجاهد، ولد عمتي عزة بنت جدتي غنيمة أخت(الكونتيساماريا).

عموما، أنا جنيت على نفسي بدخولي المدينة طواعية، ولاوقت لذكر السبب، المهم، كان ظرف تحد فحسب، إذن، أرجوكم أن تتركون أرعى شياهي، التي تركتها في الوادي، تحت رعاية أمي.. ولكن أمي ماتت وكذلك أختي الكبيرة، وقيل:إن لي أخوة ذكورا وإناثا قد قتلهم(البا عوض).. اتركوني وهمومي.. لماذا تطاردونني وتعرفونني على صبيانكم؟ حتى أصبحوا هم أيضا يضايقونني في كل مكان.. ويجرون ورائي.. ويقسمون أنه هو.. لماذا تحرمونني من الراحة؟..بل حتى من المشي في شوارعكم؟ أنا بشر مثلكم، أحب التفاح، لماذا تمنعونني من السوق؟.. ثم على فكرة، لماذا لاتعطوننى جواز سفر؟.. ولكن ماذا أعمل به؟ فأنا ممنوع من الخروج لغرض السياحة، أو العلاج إلا إذا كنت مكلفا بمهمة فقط، لذا قررت أن أفر بنفسي إلى جهنم.

وسوف أروى لكم قصة فراري إلى جهنم، وأصف لكم الطريق الذي يؤدى إليها، ثم أصف لكم جهنم ذاتها، وكيف رجعت منها مع نفس الطريق.. إنها مغامرة حقًا، ومن أغرب القصص الواقعية، وأقسم لكم أنها ليست من صنع الخيال.. إني هربت بالفعل إلى جهنم مرتين؟ فرارا منكم، ولكى أنجو بنفسي فقط، إن أنفاسكم تضايقني.. وتقتحم على خلوتي.. وتغتصب ذاتي.. وترغب بنهم وشراهة شرسة في عصري، وشرب عصارتي، ولعق عرقي، ورشف أنفاسي.. ثم تغظني مودعة لتعاود الكرة.. أنفاسكم تلاحقني كالكلاب المسعورة، ولمجيل لعابها في شوارع مدينتكم العصرية المجنونة، وعندما أهرب منها تتعقبني عبر خيوط العنكبوت وورق الحلفاء، لذلك فررت إلى جهنم بنفسي فقط.

الطريق إلى جهنم ليست كما تتوقعون.. وكما وصفها لنا الدجالون الذين يصورونها لنا من خيالهم المريض، أصفها لكم أنا الذي سلكتها بنفسي مرتين، وتمكنت من المنام والراحة في قلب جهنم، وأقول لكم إني جربت ذلك، وكانت أجمل ليلتين في حياتي تقريبا هما اللتان قضيتهما في قلب جهنم بنفسي فقط.. إن ذلك أفضل عندي ألف مرة من معيشتي معكم.. أنتم تطاردونني، وتحرمونني من الراحة مع نفسي، فاضطررت إلى الهروب لجهنم.. إن الطريق إلى جهنم مفروشة بالبساط الطبيعي على امتداد الأفق، وأنا أشق طريقي نحوها بفرح وغبطة.. وبعد انحسار البساط وجدتها مفروشة بالرمل الناعم.. وصادفتني أسراب من الطيور البرية من نفس الأنواع التي تعرفونها، بل وجدت حتى بعض الحيوانات المستأنسة ترتع وتفلي!! ولكنى فوجئت بانحدارات شديدة أمامي، وأرض منخفضة حتى توقفت بتردد وإذا بجهنم تطل من الأفق.. ليست حمراء كالنار.. وليست ملتهبة كالجمر.. وقفت- لاخوفا من التقدم نحوها، فأنا أحبها، وأرغب في وصالها، فهي الملاذ عندما تطاردونني في مدينتكم المثلثة.. وعندما تراءت لي من الأفق أمامي كدت أطير من الفرح.. وقفت لأسلك أقصر الطرق إليها.. وأختار أقربها إلى قلبها.. ولعلى أسمع لها زفيرًا، ولكن جهنم ساكنة تمامًا وهادئة للغاية.. وثابتة كالجبال التي حولها.. ويحوطها سكون عجيب.. ويلفها وجوم رهيب.. لم أر لهبًا.. ولكن الدخان فقط يخيم فوقها.. انحدرت نحوها بشوق.. مسرعًا في الخطى قبل مغيب الشمس؛ أملاً في الحصول على مرقد دافئ في قلبها قبل محاصرتي بحراسة جحيمكم التي انطلقت ورائي دون وعى، مستخدمة أحدث وسيلة وأقدم استعمالًا.

 أخيرا اقتربت جدًا من جهنم.. واستطعت مشاهدتها عن كثب.. واستطيع الآن أن أصفها لكم كما شاهدتها… واستطيع أن أجيب عن أى استفسار يتعلق بجهنم التي اقتربت منها: أولا- لجهنم شعاب مظلمة ووعرة.. يخيم عليها الضباب، وحجارتها سوداء محروقة منذ أقدم الزمان، والعجيب حقا هو أن الحيوانات البرية وجدتها تأخذ طريقها إلى جهنم قبلي؛ فرارًا منكم، فحياتها في جهنم، وموتها فيكم.. تلاشى كل شئ من حوالي عدا نفسي التي أحست بوجودها أكثر من أي مكان وزمان آخر.

تقزمت الجبال.. ويبست الأشجار.. وجفلت الحيوانات، وغاصت في أدغال جهنم؟ طلبًا للنجاة، وفرارًا من الإنسان، حتى الشمس حجبتها عنى جهنم، وأصبحت لاشيء.. لم يبق بارزًا إلا جهنم، وأبرز مافيها قلبها، فاتجهت إليه دون صعوبة تذكر.. أنا أيضا ذبت في نفسي، ونفسي ذابت في، واحتمى كل منا بالأخر وعانق كل منا الثاني، وأصبحنا شيئا واحدًا لأول مرة، لا لأن نفسي كانت خارجى، ولكن جحيمكم لم يعطني فرصة لأخلو بنفسي، وأتأمل معها، وأناجيها، وتناجيني.. فنحن- أقصد أنا ونفسي- كمجرمين خطرين في مدينتكم، تخضعوننا للتفتيش والمساءلة، وحتى بعد أن تثبت براءتنا، وتعرف هويتنا، تودعوننا السجن، وتطوقوننا بحرس شديد، ومرادكم دائما أن تحولوا حتى بيني وبين نفسي؟ لأن ذلك يساعد في راحتكم أنتم واطمئنانكم.

ما أحلى جهنم عن مدينتكم!! لماذا رددتموني مرة أخرى؟.. أريد أن أعود إليها.. بل أرغب في أن أسكن فيها! الذهاب إليها دون جواز سفر، اعطوني نفسي فقط.. نفسي التي اكتشفت أنكم شوهتموها، وحاولتم إفساد طبعها الحميد!!حاولتم الحيلولة بيني وبين نفسي، ولكن بفراري إلى جهنم انتزعت نفسي منكم.

لا أطمع منكم في شيء، احتفظوا لأنفسكم بورق صناديق القمامة.. وتركت لكم خوذتي الذهبية في القاهرة.. تلك الخوذة الصولجانية التي انتزعتها من الوكيل بعد أن سمعت وقرأت عنها.. وأن خاتم(شبيك لبيك)يصنع من الذهب المرصعة به.. وأن الذي يلبسها يصبح سلطانا في التو والحين.. ويستطيع الجلوس على كرسى الملك دون إخفاء.. تتنحى من أمامه الملوك والرؤساء والأمراء؛ غصبًا.. ويستطيع إحياء الطفلة(معيتيقة) بعد موتها.. وإحياء كل الشهداء حتى عمر المختار، وسعدون، وعبد السلام أبومنيار، والجالط، والذين استشهدوا جنودا مجهولين.

والذي يلبسها تصبح بين يديه أربعة الآف مليون دينار أو أكثر أو أقل بقليل، ويمكنه التصرف فيها كما يريد!! عموما، يصبح في يديه خاتم(شبيك لبيك) الذي تريده ياتيك.. إذا طلبت سلاحًا يصير بين يديك: من البندقية إلى الصاروخ عابر الحدود.. وحتى السراب، يكون رهن إشارتك، ناهيك عن الميج والسيخوي، وتقدر أن تحبس وتطلق من تشاء من الإنجليز برغم أنف تأشر.. وفي نفس الوقت إذا لبست هذه الخوذة الصولجانية السحرية، تستطيع النوم بكل كسل، حتى ولو رأيت الذئب يفترس غنمك أمام عينيك المفتوحتين، يمكنكم إذن النوم وعيونكم مفتوحة عدة سنوات حتى ولو كنتم بين أكوام من الكناسة والأوساخ، لقد سمعت من صوت العرب أنكم محرومون من هذه الإمكانية الخلاقة، وقرأت عن الخوذة الفولاذية.. عفوا.. الصولجانية السحرية.. وسمعت أن إبليس يحمل رقم"صفر زائد واحد" قد استحوذ عليها مدعيًا أنه ملاك وشهد له بذلك(تشر شل وترومان).

وصدقتم أنتم تلك الأكذوبة وانطلت عليكم الخدعة.. وكانت عاقبة أمركم خسرا.

إلى أن أحسست بحالكم، وسمعت خطيب الجمعة في مساجدكم يقول: إن حالنا لايخفي عليك، وعجزنا واضح بين يديك.. ولاملجأ إلا إليك.. لبيك.. لبيك.

في هذا المقال
تعليقات فيسبوك