رحيل أستاذ الفلسفة رجب بودبوس: المثقف الوطني الذي وقف الموقف الصحيح من التاريخ الجمعة ١١ فبراير ٢٠٢٢ | 20:26 مساءاً
موسى إبراهيم مشاركة المقال "يلزمنا نموتوا على شان رقاد الريح قبل ما يموتوا هم وهم يحاربوا فينا" رحل اليوم عن دنيانا أستاذ الفلسفة بالجامعات الليبية، المثقف الملتزم، والمناهض للمشروع الأجنبي في بلادنا، الدكتور رجب بودبوس. الرجل هو أحد أشهر وأعمق المفكرين الذين أنجبتهم بلادنا باعتراف الأوساط الأكاديمية الوطنية والدولية. ومنذ انبلاج ثورة الفاتح العظيمة سنة 1969 وهذا المثقف الليبي العملاق منخرط في خدمة الوطن يدعو للأفكار النيرة للنظرية الجماهيرية، ويدافع عن حقوق الناس، ويناصب العداء لسارقي السلطة والثروة من بين أيدي الجماهير، ويؤكد على ضرورة تنفيذ المشروع الجماهيري كاملاً ودون مجاملة أو تأخير وخصوصاً تمكين المواطن الليبي العادي من التحكم الكامل في مقدرات وطنه الاقتصادية والسياسية. وكتب في مسيرته الأكاديمية الطويلة عشرات الكتب والأبحاث والدراسات التي نشرها عبر عقود من الزمن لتقديم الرؤية الجماهيرية لليبيين وللعالم أجمع. وأنا شاهد شخصي، عام 2010 ميلادي، أي قبل بدء تنفيذ المؤامرة على بلادنا، كيف كان هذا المفكر الثاقب يحلل الوضع في ليبيا ويحذر من ضياع البلد من بين أيدينا، ويتكلم بكل صدق ودقة موضوعية وانحياز ثوري عن "رقاد الريح وقليلي الوالي"، وضرورة الدفاع عن أفكار ومشاريع ثورة الفاتح الأصيلة، والعودة بمسيرة العمل النضالي إلى فترة نقائها الأولى قبل أن تتلوث الأوساط السياسية للدولة الليبية بمخططات التنمية والمركزية السلطوية المشبوهة التي سلبت المواطن العادي حقه في السلطة والثروة وسلمتها لدائرة احتكارية ضيقة. وفي يوم الخميس 16/09/2010 كنا في لقاء تشاوري حول إعادة تفعيل دور الشباب الليبيين في الإعلام والثقافة (حيث كنت يومها أميناً لمركز إعلامي جديد وكان الدكتور بودبوس مستشاراً للمركز)، وبحضور الدكتور الشهيد عبد القادر البغدادي، وثلة أخرى من القيادات السياسية والثورية، فانطلق الدكتور بودبوس يحلل الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلد، وخصوصاً المنطقة الشرقية الحبيبة، ويحذر من خسارة مشروعنا الثوري لجزء من قاعدته الشعبية، وينبه إلى أن الليبيين الكادحين يعانون من تغييبهم عن سلطتهم وثروتهم لعدة سنوات متتالية (بعد أن كانوا منخرطين في آلياتها لزمن طويل) وأن المسألة بلغت مستوى من الخطورة قد يستغله العدو الخارجي. وأكد الدكتور الفاضل (ومازلت أحتفظ بكلامه في مذكرتي الرقمية) على ضرورة الانحياز الفوري لجماهير الشعب وسحب البساط من تحت الرأسماليين والنخب السياسية التي جاءت من الغرب، وقال بالحرف الواحد: "يلزمنا نموتوا على شان رقاد الريح قبل ما يموتوا هم وهم يحاربوا فينا". كان هذا قبل أن تبدأ مؤامرة فبراير بشهور، وفي عام 2011 قام الرجل بواجبه الوطني كاملاً وحاول التواصل مع بعض الأطراف (باعتباره شخصية وطنية معروفة) لتنبيههم للمؤامرة وعقد عدة ندوات هامة وعلنية في طرابلس تحت قصف الناتو. وكان دائماً يتوجع من الدم الليبي المراق ويتكلم بحرقة عن ضياع ليبيا في "غوط الباطل". ولأنه ابن بنغازي الحبيبة فقد كان يبكي عليها ومن أجلها وأجل شبابها الذين تم الزج بهم في معركة غير وطنية قادها وخطط لها الغرب. وكان في نفس الوقت مبتهجاً بأن غالبية الناس البسيطة والمهمشة لم تنخرط في المؤامرة بل تحدتها بكل صلابة، ورأيت ابتسامته الجميلة وهو يشاهد معي المسيرة المليونية الأولى ضد مؤامرة فبراير في الفاتح من شهر ناصر/يوليو 2011. بعدها، سجنه وعذبه ثوار فبراير الأشاوس وهم لا يملكون جرأته الفكرية، وحسه الوطني، وانتماءه للكادحين والفقراء، والخاسر الأكبر في هذا كله هو الوطن نفسه! وقد وقف مثقفو ليبيا المتخاذلون، وكتابها، وأدباؤها مرتعشين لم يقولوا كلمة حق واحدة دفاعاً عن رفيقهم وأستاذ الكثيرين منهم. خرج د. رجب من السجن بعد سنوات طويلة وقد فقد البصر، ولكن بصيرته ظلت معه، وهي الآن مازالت معنا في هذه المرحلة الهامة من العمل الوطني. رحم الله الدكتور رجب وأسكنه فسيح جناته. هؤلاء هم أبطالنا، وهؤلاء هم رجال ثورتنا، ورجال ليبيا الشرفاء. المزيد