ليبيا الوطن الذي تنهب ثرواته

عبدالله التومي
مشاركة المقال
الأمية لا تقتصر على من لا يجيد الكتابة والقراءة، وإنما يتوسع معناها لتشمل الذين ينشطون في مختلف العلوم والفنون وهم ليسوا أكفياء، وربما حقل السياسة هو الأكثر استقطابا للأميين والنصابين. السياسة الخصبة ترادف الخير والحِكْمة وضد الشر والجهالة، ولذلك أي بلاد يحكمها الشر والفساد والفوضى فهي لا تُمارس فيها السياسة كعلم أو كاستراتيجية لخدمة الدولة ومجتمعها، وتموت السياسة ويأفل نجمها بفعل فاعل وتفقد صفتها الناجعة فورا، حين يمثلها السفهاء واللصوص والتَبَع لتصبح أداة للرذيلة، وفي حالة ليبيا الراهنة، لا تجسد السياسة مفهوم (الحكم بالعقل) كما قال أفلاطون، وإنما الحكم بالعنف والاستئثار، والسلطة السياسية لا يمكن أن تكون سلطة شرعية ما لم تحكم بالعقل والعدل والقانون! في ليبيا الوطن الذي تُنهب ثرواته وتجف فيه منابع المياه ويموت نخيله لا يمكن بأي شكل من الأشكال الحديث عن وجود سياسة قويمة أو شرعية سياسية بناءة تقوم على الإنجاز أو نخبة سياسية مستنيرة وما هو متوفر حاليا مراهقة وحماقة باسم السياسة التي هي في الأحرى فن وعلم راقي مهم يرتبط بصلاحه صلاح الأمة وازدهار بقية العلوم بحسب أفلاطون :"إن صَلُح علم السياسة صلحت الأمة، وتطورت العلوم". ولعل أسوأ ما ابتلت به ليبيا في آخر السنوات هو (الأمية السياسية)، تلك التي تمثلها ثُلة طائشة أوجدتها الصدفة وخلقها الظرف الاستعماري والدعم الدولي وثبتت نفسها وارتدت لباس السياسة المزعومة، وهي بطيشها دمرت وطن كان صامدآ وشامخآ وفق المقاييس الديموقراطية السليمة. وعند الحديث عن (الأمية السياسية) فيمكننا أن نسكب في قالبها أي صفة سلبية بعيدة عن المهنية الأخلاقية وتساهم في تسميم الواقع الاجتماعي وتغييب مشروع الدولة الناهض، وتنافي بذلك علم السياسة الأصيل الذي يمكن تسخيره لنشر الفضيلة. لا أمل مع إصلاحات ترقيعية لهذا النظام المُتعفن الذي يحكم ليبيا الان ويخلق الصراعات وينوب عنه أخساء لا يكترثون إلى الويلات التي عاشها الليبين الشرفاء الاحرار ويتلذذون في سحق كرامتهم، ومن يعول على هذا النظام فهو إما مستفيد منه أو أنه واهم و كمن يحرث في البحر، ولأن هؤلاء الحكام غير ناضجين سياسيا فمن الصعب أن تتجاوز عقولهم قاعدة ( من يحكم أنا أم أنت وما هي حصتي وحصتك) ؟ ولأن هذه الضباع المُستهترة بحق شعبها والخاضعة للأجنبي تؤمن بمبدأ الغنيمة واستملاك السلطة، فكل تهديد يصيبها من الشعب إنما هو دعوة للعنف المضاد ضد، من أجل البقاء وكسر إرادة التغيير. ومن أجل التخلص من هذا الورم الذي يحكم رأس الدولة، ستبقى وكما نقول دائما المسؤولية الكبرى على عاتق الشعب وعلى زخمه الثوري المنظم الهادف إلى إنهاء الفجور السياسي الذي بلغ مداه الأعلى في ليبيا عروس البحر والنهر، والذي قد لا نجد له مثيل أو نضير في العالم، وما عدا ذلك فليعلم الجميع أن العنف وإراقة الدماء والفوضى ستلاحق الليبين وتهزهم هزا عنيفا مرارا وتكرارا حتى نصل إلى طريق مسدود أو احتراب داخلي مدمر يدفع ثمنه الشعب. عندما تصبح السلطة أداة للإكراه والشمولية التي تتعارض مع المبادئ الإنسانية والكرامة لإرغام الآخر والتحكم به من دون إرادته فهذا أشد أنواع التجبر والعنف المؤسس للاستغلال والهيمنة، وبالتالي خلق مناخ ملوث. وعلى هذا الأساس يجب على الناس أن تعي أن فقدان السلطة التي تحكمهم القدرة على إنتاج الأفعال الناضجة المتناسقة هو دليل على عجزها واندثار مشروعيتها. في دولة الأمية السياسية السلطة هي الدولة والدولة هي السلطة، والعنف هو السلطة والسلطة هي العنف، وهكذا الأميون السياسيون يسعون دوما إلى إعادة إنتاج الفساد السياسي بأدوات مختلفة، وإعادة إنتاج أخطاء سياسية فادحة في إدارة الدولة. من يريد أن يجتث هذه الأمية الطاردة للحضارة والتي تخنق الدولة وتجرها نحو الانتكاسات، فهو مطالب بدعم كل ما يعزز الوعي السياسي الشعبي وكل ما يعجل بتطويق وسحق سلطة الفساد الضاربة !